مسرحية «لا هواء».. دلالات ورموز غير بريئة في رسائل صادمة !

مسرحية «لا هواء».. دلالات ورموز غير بريئة في رسائل صادمة !

ت + ت - الحجم الطبيعي

بداية لا بد أن أؤكد على حقيقة أن عروض هذه الدورة من أيام الشارقة المسرحية تميزت بغنى مضامينها وتنوعها من حيث الاتجاهات الفنية ومستواها الفكري.

ولكن لا تستقيم كل العروض في شكل ومضمون واحد مما يجعل بعض المخرجين يلجأ لعلمية الرمز لتقديم إشارة ما ولكن اغلب الأحيان لا تصل تلك الإشارات والتحولات وربما وجدنا هذا في عرضين تقريبا، أحدهما قدم بالأمس على سبيل المثال، فقد شاهدنا عرض «بلا هواء» لصالح المسرح الحديث تأليف محمود أبو العباس وإخراج إبراهيم سالم.

وهنا أود أن أنوه بأن هذا الكلام موجه بالتحديد لنص العرض ورسائله الصادمة التي لم نتمكن من تجاهلها فالعرض يتحدث عن حالة الحصار التي تواجه أهل غزة وحالة القمع واللا انسانية التي يعيشونها، وبداية نلفت أن الشخصية التي قدمها العرض على أنها «الجار» منذ ستين عاما، ليست بجار على الإطلاق في إشارة لإسرائيل، بل عدو اغتصب الأرض وقسم الشعب ما بين لاجئ ومسجون في قطاع ضيق. إنه ذات العدو الذي كان وجوده من أهم أسباب ضياع (العراق) وغرقه في مستنقع لم نكن لنراه حتى في أحلك كوابيسنا.

إن إسقاط الحالة العراقية على الواقع في فلسطين وفي غزة تحديداً لهو أمر يسيء إلى هذه القضية التي بقيت صامدة وحية في وجدان أصحاب الضمائر الحية طوال وجود هذا «الجار» وما أقسى هذا الوصف يا محمود أبو العباس!

ولعلنا هنا نتوقف عند المفتاح الذي أُعجب به بعض المشاهدين والمعقبين في الندوة التطبيقية فقد قام المؤلف بتقديمه بشكل سلبي وأذكر الجميع بأن هذا المفتاح هو لبيت لم يعد موجودا ـ كما ورد على لسان الجدة ـ وحتى المجنون نفسه رفض عرض جدته بأن يرث هذا المفتاح، فأي هزئ أكثر من ذلك بأشد الرموز تأثيرا على قلب كل فلسطيني!

لقد قام المؤلف بتقديم الموضوع بشكل يؤدي إلى أن تغرس في عقلنا الباطن فكرة أن المقاومة ورفض هذا «الجار» الذي هو دولة إسرائيل، هو الذي يؤدي إلى المأساة الكاملة التي قدمها النص. أما بكاء بعض المشاهدين فهذا مرده لما استدعته المسرحية للوهلة الأولى فقط، من صور المذبحة في غزة الصامدة، ذلك الصمود الذي تجاهله النص.

بالإضافة إلى ذلك كان العرض مردداً لوجهة نظر أحد أطراف النزاع الداخلي الفلسطيني ضد الطرف الآخر، أما نهاية العرض والتي رددت بضع أبيات من أغنية «أناديكم»! فهي الحيلة التي تشبه دس السم بالعسل.

في الختام لا بد من الإشارة إلى انه لا بد من الحذر الشديد عند التعامل مع علم الدلالات في المسرح. وأذكر بأن الديالوغ السمعي والبصري قد يحمل من الرسائل ما لا تقصده نوايا فريق العمل ونحن ندرك مدى طهر نواياهم. وأرجو ألا يفهم من مقالتي هذه أنها مزايدة مني على النوايا الطاهرة لفريق العمل من مخرج وممثلين.

طباعة Email