ياسر عرفات ـ زعيم شعب ورمز قضية -الحلقة -13

منظمة التحرير تتبنى برنامجاً سياسياً هدفه السلام مع إسرائيل

في الأسبوع الأول من ديسمبر عام 1988 اتصل بي الرئيس ياسر عرفات وقال: «توجه للمطار فوراً». لم يفاجئني الرئيس بهذا الطلب. فقد تعودت على أسلوبه في العمل ولذلك كنت أضع جانباً حقيبة صغيرة الحجم تحتوي ما أحتاج له لسفرات قصيرة.

في أغلب تلك الزيارات الخاطفة التي كان يقوم بها الرئيس ياسر عرفات، ويطلب منا التوجه للمطار لمرافقته، لم نكن ندري ما هي الوجهة وما هو الغرض.

وتلك الأمور كان يستعرضها الرئيس معنا بعد إقلاع الطائرة ويعود ذلك لأسباب عدة، منها الظرف السياسي وتطوراته السريعة ومنها أسلوبه في العمل الأمني والمحافظة على سرية تحركه ووجهة ذلك التحرك. وغالباً ما كان يعطي قائد الطائرة تعليمات في اللحظة الأخيرة.

وصلت مطار تونس على عجل لأجد أن الرئيس ياسر عرفات كان قد وصل ووصل آخرون ممن سيرافقونه، وكان المرافقون منهمكين بنقل حقائبه وحقائب أعضاء الوفد للطائرة الصغيرة التي كانت تقف على بعد عشرات الأمتار من قاعة الشرف التي كان يغادر منها ويستقبل فيها أثناء إقامته في تونس.

صافحته وسألته مبتسماً: خيراً إن شاء الله.. إلى أين نتوجه؟

فأجابني: سنتحدث عندما نقلع. نظر إلى ساعته وسأل الكابتن «عدنان»: هل كل شيء جاهز؟ أدى الكابتن عدنان التحية قائلاً: نعم سيدي. أشار الرئيس بيده لأعضاء الوفد قائلاً: «تفضلوا لنذهب».

سرنا مشياً على الأقدام نحو الطائرة وصعدنا جميعاً قبله وبقي هو ليلقي تحية الوداع على مجموعة من القيادات التي جاءت للمطار لتوديعه.

وحال صعوده الطائرة جلس إلى مقعده المعهود قائلاً لقبطان الطائرة: «على بركة الله». أغلق الباب بإحكام ودارت المحركات وما هي إلا لحظات حتى كنا في أعالي الأجواء. لحظات مضت قبل أن يسمح قبطان الطائرة بفك أحزمة الأمان. عندها سارع الرئيس طالباً من أحد مرافقيه إحضار ملفاته.

تناول ملفاً منها وشرح للوفد طبيعة المهمة التي نتوجه لها: رئيس وزراء السويد وجه دعوة للرئيس ووفده لزيارة استكهولم لإجراء حوار حول السلام مع وفد من قادة الجالية اليهودية الأميركية.

وأن الوفد الأميركي ـ اليهودي والذي ترأسه ريتا هاوزر ـ على اتصال وتفاهم مع وزير الخارجية الأميركية «شولتز». وأن رئيس الوزراء السويدي ووزير خارجيته سوف يرعيان هذه اللقاءات وسيكونان على اتصال مع الإدارة الأميركية حول الحوار.

كانت العلاقة بين «م.ت.ف» والولايات المتحدة متوترة جداً على ضوء رفض الإدارة الأميركية منح الرئيس ياسر عرفات تأشيرة لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة لطرح مبادرة سلام.

وتأزمت المشكلة بإصرار الولايات المتحدة على رفض منح التأشيرة. وكنت قد كتبت مقالاً في «نيويورك تايمز» تعليقاً على ذلك تحت عنوان «امنحوا السلام تأشيرة».

وقررت الأمم المتحدة على ضوء ذلك رفض عقد جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها في جنيف، في الثالث عشر من ديسمبر لإتاحة الفرصة للرئيس ياسر عرفات لإلقاء خطابه حول الشرق الأوسط أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

نظر الرئيس للوفد المرافق له بعد هذه المقدمة وكأنه يسأل: ما هو رأيكم؟

*المبادرة السويدية

وبدأ الحديث حول الاحتمالات، ليخلص الجميع إلى أن رئيس وزراء السويد ما كان ليقدم على هذه المبادرة إلا في ضوء موافقة (ولو ضمنية) من الإدارة الأميركية. وأن هذه الزيارة تحمل في طياتها إمكانيات سياسية قد تتحول إلى إمكانيات كبيرة إذا نجحت.

عندما تناول الرئيس من ملفه مشروع اتفاق كان قد أعده عضو اللجنة المركزية لحركة فتح خالد الحسن أثناء لقائه بالوفد اليهودي الأميركي قبل شهرين من ذلك التاريخ. وطلب من أعضاء الوفد أن يقرأوا ورقة العمل ليبلوروا أية تعديلات يرونها ضرورية.

انكب أعضاء الوفد على قراءة الأوراق فيما راح الرئيس يتابع ملفاته ويضع ملاحظاته على كل ورقة، ويوقع على الأوراق ذات الضرورة الملحة.

وبعد انغماسه بقراءة ما احتواه الملف من أوراق والتي كان يضع بعضها جانباً (ربما لأنه غير متأكد من دقتاه)، كان يجيل النظر في الجو خارج نافذة الطائرة، وكان يأخذها فرصة للتفكير بما لا يمت بصلة للأوراق التي اختزلها ملفه.

ثم يعود للطائرة، يهز قلمه بين أصابعه الدقيقة، كأصابع لاعب بيانو، ويحرك ساقيه بطريقة توحي بأنه متوتر، لكنها كانت عادته.

كنا نطير للسويد، بناء على دعوة من رئيس وزرائها، في بداية ديسمبر من العام 1988، أي بعد أسبوعين تقريباً من اجتماع كامل هيئة المجلس الوطني الفلسطيني (أعلى سلطة تشريعية للشعب الفلسطيني) في الجزائر بين 13 و15 نوفمبر من العام نفسه.

كان ذلك الاجتماع تاريخياً. فقد احتدم النقاش على مدى يومين حول اقتراح يتبنى برنامجاً سياسياً جديداً لمنظمة التحرير الفلسطينية، هدفه الاستراتيجي إقامة سلام مع دولة إسرائيل، على أن تقام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

كان ذلك مشروع تحوّل تاريخي، ويشكل مشروع قرار بمساومة تاريخية لم يسبق لأحد أن تجرأ على طرحها، وكان المشروع ينص على أن التفاوض على هذا الحل السياسي هو الأسلوب لتحقيقه.

وصوّت أعضاء المجلس الوطني بأغلبية 87% لصالح المشروع. وبذلك أصبح لمنظمة التحرير الفلسطينية برنامج سياسي جديد، خياره الاستراتيجي السلام والتسوية السياسية على أساس قرارات الشرعية الدولية ـ وفي مقدمتها قرار 424 و338 ـ وينص على حل الدولتين على أرض فلسطين التاريخية واعتراف إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما البعض والعيش بسلام وتعاون واستقرار وأمن.

لقد سلح هذا الخيار الاستراتيجي الجديد، الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني (البرلمان) ياسر عرفات بقوة هجومية سياسية لا تقدر بثمن.

وربما كان هذا سبباً في تحمسه للسفر فوراً إلى السويد ليرى مدى تأثير هذه الاستراتيجية الجديدة، على الموقف الأميركي والأوروبي والعالمي بشكل عام. كنت أرى استنفاراً كاملاً بين ثنايا وجهه ونظراته، واهتزاز القلم بين أصابعه. كان متحفزاً كمن ينتظر جوائز الأوسكار أو نوبل، قلقاً ومتفائلاً دون أن يعبر عن ذلك.

وفجأة أعلن قائد الطائرة أن علينا ربط أحزمة الأمان لأننا سنبدأ بالهبوط بعد عشرين دقيقة. وعاد الرئيس ياسر عرفات للطائرة، بعد أن شرد بعيداً في تفكيره، قائلاً لأعضاء الوفد: «ماذا ترون؟ سأل وهو يبتسم. هل هذا المشروع معقول أم تقترحون تعديلات؟

كانت هذه طريقته دائماً في حسم الأمور. يصغي للجميع بكل انتباه. يصغي لكل ملاحظة أو اقتراح ويوحي لأصحابها بأنها مهمة جداً وأنه مهتم بها جداً. وينتقل ليسمع الآخرين.

وفي نهاية الأمر، وبعد الاستماع المتنبه لكل حرف، يعود قلمه ليهتز بين أصابعه. ويغوص في عقله ويفكر. إنه دائم التفكير ويغوص في الحسابات: حسابات الربح والخسارة فيما يتصل بقضية الشعب الفلسطيني أي قضيته الشخصية.

كان جريئاً إلى حد تقبل كل الملاحظات والانتقادات ويناقش دون ملل، ويستمع لوجهات النظر دون كلل. لكنه في نهاية الأمر يزن الأمور ليعرف أين هي مصلحة الشعب الفلسطيني استراتيجياً.

وهو طالما ابتعد عن الخطاب الحماسي في الاجتماعات الداخلية رغم انطلاقه بخطاب حماسي أمام الجماهير، فقد كان يفرق بين هذا وذاك بنهج عملي تفوق به على كل البراغماتيين.

لم يتفوه بكلمة. لقد استمع. وهو يزن الأمور الآن.

* المفاوضات في استكهولم

بدأت الطائرة بالهبوط نحو مطار استكهولم. تخطينا الغيوم هبوطاً لتبدأ معالم الأرض تتضح. كان الجميع ينظر من خلال النوافذ لأرض السويد. بيضاء بيضاء في كل مكان تكسوها الثلوج. ومع مزيد من الاقتراب نحو الأرض بدت لنا المدارج التي عريت من ثلوجها لتتمكن الطائرات من الهبوط.

بضع دقائق مرت قبل ارتطام دواليب الطائرة بمدرج المطار، ثم هرولت بسهولة نحو موقع تقودها إليه عربة تكسوها كشافات حمراء وصفراء.

قادتنا العربة نحو ركن بعيد تقف عند حافته مروحيتان... لا بل ثلاث، وهرول المستقبلون نحو سلم الطائرة يرتعشون من البرد.

تحية سريعة. سلام سريع. وكلام سريع فيما يهرول الجميع نحو المروحيات.

كان البرد شديداً، ولم نكن قد احتطنا لذلك. فلم نكن نعرف إلى أين نتوجه عندما دعينا لمرافقة الرئيس في تلك الزيارة.

دخلنا إلى المروحيات بأسرع ما يمكننا لتجنب البرد القارس. وبدأت محركات المروحية الأولى بالدوران مستبقة المروحيتين الأخريين. وانطلقت.

كانت المناظر خلابة. وتحاشت المروحية الطيران فوق وسط مدينة استكهولم لكننا كنا نراها، يا لها من مدينة ضخمة وجميلة.

كان من الواضح اننا نتجه إلى مكان في ضواحي استكهولم خارج عن نطاق المدينة المزدحم. وهكذا كان. فقد هبطت المروحية بعد نصف ساعة في باحة قصر قديم، قلعة قديمة.

كانت إحدى قلاع ملوك السويد القديمة. حجارتها قاتمة، يضيئها الثلج الذي يكسوها هنا وهناك، حدائقها يغطيها الثلج إلا بعض ورودها التي كانت أعناقها فوق الثلوج أو رؤوس أشجار عالية كانت ربما ترحب بنا. وبسرعة مماثلة لسرعة صعودنا للمروحية، أسرعنا نحو بوابة القصر.

استقبال لطيف وأنيق يحف به دفئان: دفء المستقبلين ودفء القصر ـ القلعة. وتوجه كل منا إلى الغرفة المخصصة له على أن نلتقي في جناح الرئيس ياسر عرفات بعد عشر دقائق.

التأم شمل الوفد في جناح الرئيس ودار حديث حول ما يمكن أن يبحث والفوائد السياسية من مثل هذا اللقاء. وعلق الرئيس بالقول:

«لن يكون هذا اللقاء لقاء عادياً. فالسويد ترمي بثقلها لإنجاح هذا اللقاء ولا يمكن لوفد من اليهود الأميركيين أن يلتقي بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية دون إبلاغ وزارة الخارجية الأميركية. لذلك علينا إعطاء الاهتمام الشديد لما سيدور البحث حوله. ودعونا لا نستبق الأمور. لننظر ماذا يحملون معهم».

ما كاد الرئيس ينهي كلامه حتى جاء من يعلمه أن وزير خارجية السويد قد وصل للجناح وانه ينتظر في غرفة الجلوس.

نهض الجميع متوجهين نحو غرفة الجلوس. وأسرع الرئيس بمصافحة وزير الخارجية وعرف بأعضاء الوفد الذين صافحوه بدورهم.

ارتسمت على وجه الرئيس ابتسامة عريضة وهو ينظر إلى وزير الخارجية وكأنه يقول له «هات ما عندك». تحدث الوزير عن اهتمام السويد بإنجاح هذا اللقاء، وان الهدف هو الخروج ببيان مشترك يدعو إلى حل سياسي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وأن الفكرة مستمدة من البرنامج الجديد الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر.

علق الرئيس قائلاً: بيان مشترك بين منظمة التحرير الفلسطينية والسويد؟

فأجاب الوزير: السويد ترعى هذا اللقاء. فعلق الرئيس مرة أخرى: لكن هذه المجموعة من قادة يهود أميركا لا تمثل جهة رسمية. فلا هي تمثل الإدارة الأميركية ولا هي تمثل الحكومة الإسرائيلية.

كانت الملاحظة تحمل معاني أبعد من الكلمات. وفهم وزير الخارجية السويدي القصد فأجاب باقتضاب: سيحضر رئيس الوزراء بعد قليل وطلب مني أن أبلغك أنه يريد أن يلتقي بك منفردين. وكأن الوزير أراد بذلك أن يقول للرئيس ياسر عرفات ان الأمر أهم من مجرد بيان مشترك.

وبالفعل اختلى رئيس وزراء السويد بالرئيس ياسر عرفات دقائق ثم خرجا سوياً. ثم دعا رئيس الوزراء الجميع إلى غرفة الطعام. لقد رتب السويديون أن يكون اللقاء الأول على مائدة الغداء. وقد رتبت أماكن الجلوس بطريقة ذكية بحيث يختلط الجميع لتبادل الحديث والتعرف إلى بعضهم البعض. كان وصولنا لقاعة الطعام قبل وصول وفد اليهود الأميركيين.

فتحت الأبواب بعد ثوان معدودات ودخل الوفد الأميركي برفقة وزير الخارجية السويدي تصافح الجميع ثم جلسوا إلى مائدة الطعام. دار كلام عام حول الوضع السياسي وضرورة إيجاد حل للصراع.

وقبل الانتهاء من وجبة الغداء، اقترح رئيس وزراء السويد أن تلتقي مجموعة قليلة من الطرفين في غرفة الاجتماعات، للبدء بمناقشة الأمور بطريقة أكثر خصوصية وعملية.

وتم ذلك. انسحب الباقون نحو غرفة الجلوس يتحدثون في أمور مختلفة. أربعة من وفد اليهود الأميركيين برئاسة السيدة ريتا هاوزر جلسوا قبالة الرئيس ياسر عرفات يحيط به ثلاثة من أعضاء الوفد. ياسر عبد ربه ومحمود درويش وأنا. راحت ريتا هاوزر تمتدح ورقة العمل السابقة وتقول إنها صالحة للإعلان.

أجاب الرئيس مرحباً بالنقاش، وقال: هنالك بعض النقاط بحاجة إلى تعديلات، لذلك اقترح أن تصاغ هذه الملاحظات وتدرس.

وانسحب الرئيس من الجلسة نحو جناحه فيما بقي البعض لدراسة الملاحظات. ولقد كلف اليهود الأميركيون السيدة دورا كاس من «اتحاد النساء اليهوديات الأميركيات» بصياغة تلك الملاحظات بعد مناقشتها مع الفلسطينيين.

كان التعديل في النص ينصب أساساً على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967. حملت الصياغة للرئيس الذي أبدى مزيداً من الملاحظات باتجاه إزالة أي لبس حول هدف إقامة الدولة الفلسطينية وسيادتها.

وعدنا مرة أخرى لجلسة الصياغة. في تلك اللحظة دبت حركة غير عادية أمام جناح الرئيس ياسر عرفات. كانت زيارة مفاجئة من رئيس وزراء السويد ووزير خارجيته للرئيس في جناحه.

* الاعتراف بالمنظمة

أبلغنا الرئيس لاحقا أن وزير خارجية الولايات المتحدة شولتز أبلغ السويديين بأن هنالك اهتماماً كبيراً بهذا اللقاء. وأنه إذا تم الاتفاق ستدرسه الولايات المتحدة لتقرر فيما إذا كان الإعلان يمهد الطريق أمام اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية وبدء حوار جدي معها.

اختلف الأمر الآن. واستنفر الرئيس قواه السياسية. فهذه أول مرة تعرض فيها الولايات المتحدة عبر دولة كالسويد اتفاقاً سياسياً.

حمل رئيس وزراء السويد معه رسالة من شولتز تتضمن ثلاث نقاط يجب أن يتضمنها الإعلان، وهي نبذ العنف والاعتراف بحق إسرائيل بالعيش وراء حدود آمنة ومعترف بها وبقرارات الشرعية الدولية.

كان من الواضح جداً أن العمل تحول إلى اتصالات سياسية جدية وغاية في الأهمية. ولم يضيع الرئيس الوقت. جمع الوفد وطلب صياغة رسالة فورية ليحملها رئيس وزراء السويد للإدارة الأميركية تشرح برنامجنا وأهدافنا واستعدادنا للسلام على أساس الشرعية الدولية وقبولنا ضمن هذا الإطار بالنقاط الأميركية الثلاث. وجاء الرد الذي أثار الدهشة سريعاً.

إذ لم يتضمن رد الوزير شولتز أية إشارات ترفض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ولا ملاحظات حول مقدمة الرسالة التي حددت أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تحمل صفة الحكومة الفلسطينية المؤقتة إلى أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة.

لكنها طلبت أن يركز الرئيس ياسر عرفات في مؤتمر صحافي، على البنود الثلاثة التي حملها رئيس وزراء السويد من الإدارة الأميركية. وتضمنت الرسالة وعداً بأنه في حال إعلان الرئيس ياسر عرفات في مؤتمر صحافي في استكهولم هذه البنود الثلاثة، فإن وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز سيعلن بعدها بنصف ساعة اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء حوار بناء معها لإقامة السلام في الشرق الأوسط.

تبين بوضوح ماذا كان يقصد الرئيس ياسر عرفات، عندما قال لوزير الخارجية في اللقاء الأول: إعلان مشترك مع السويد؟ فالمجموعة الأميركية لا تمثل حكومة إسرائيل أو الإدارة الأميركية. وكأنه كان يطلب منه العمل على إعلان مشترك مع هذه الجهات. وها هي الفرصة تلوح لإعلان متزامن بين منظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الأميركية.

لاحقاً، وفي جناح الرئيس، دار نقاش مهم كان واضحاً منه أن الرئيس يريد أن يلتقط الفرصة وأن يكون مرناً لتبدأ ولأول مرة علاقة رسمية بين م.ت.ف. والإدارة الأميركية. إنها أول ثمرة من ثمرات البرنامج السياسي الجديد الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في 15 نوفمبر من العام 1988.

طلب الرئيس من ياسر عبد ربه ان يجري اتصالات مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن شرح التفاصيل وأهمية التطورات لم يكن ممكناً.

تردد الرئيس. فقد كان حريصاً على ان تنال موافقة الأغلبية في اللجنة التنفيذية، حفاظاً على ديمقراطية اتخاذ القرار. وفجأة لمعت عيناه بالفكرة.

وقال: لماذا لا نعقد مؤتمراً صحافياً الآن وهنا في استكهولم؟ يمكننا ان ننهي العمل مع المجموعة الأميركية ونصدر إعلاناً مشتركاً، ونفصل بين هذا وبين اعتراف الولايات المتحدة بنا، وذلك بإعلان منا مطلوب في خطابي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي سيعقد بعد أسبوع في الثالث عشر من ديسمبر في جنيف.

ونالت فكرته استحساناً وتقرر ان نقنع السويديين بذلك (لأنهم كانوا تواقين لعقد المؤتمر الصحافي التاريخي في استكهولم).

تفهم السويديون وجهة النظر وأعلموا بأن خطاب الرئيس أمام الجمعية العمومية سيكون خطاباً يطرح مبادرة للسلام، وطلب الرئيس منهم ان يرسلوا وفداً لمتابعة كل الأمور بيننا وبين الإدارة الأميركية إلى جنيف.

تم الاحتفال مساء بإصدار إعلان استكهولم للسلام بين م.ت.ف. وقادة المنظمات اليهودية الأميركية، وكان له تأثير إيجابي ضاغط، وغادرنا عائدين إلى تونس.

وفي تونس نال الرئيس موافقة أغلبية أعضاء اللجنة التنفيذية على تحركه السياسي وعلى إعلان استكهولم للسلام ـ استناداً لبرنامج المجلس الوطني الجديد.

وبدأ التحضير لاجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة وشكلت لجنة صياغة الخطاب الذي سيتضمن البنود (الشروط) الأميركية الثلاثة التي أصر عليها جورج شولتز وزير خارجية أميركا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات