عندما يُصّور الباطل حقيقة

تشومسكي: الإمبراطوريات ترتدي عباءة اللطف دائماً

بداية من الإمبراطورية الرومانية القديمة وحتى الإمبراطورية الأميركية الحالية، مروراً بالنازية وما يسمى بالاشتراكية الواقعية، يحلل المفكر الأميركي نعوم تشومسكي الخيط الناظم للأنظمة الإمبراطورية.

في هذا الحوار الذي نشرته صحيفة «لاهورنادا» المكسيكية أخيراً. وفيما يلي نص الحوار:

ـ حدثنا قليلاً عن الولايات المتحدة وكيف يمكننا الاستفادة من «الإمبراطورية»، إذا جاز لنا استخدام هذا الضمير الجماعي «يمكننا»؟

ـ في كتاب الإمبراطورية كأسلوب حياة، كتب المؤرخ وليام أبلمان وليامز أن أميركيي القرن العشرين يعشقون الإمبراطورية تماماً للأسباب ذاتها التي من أجلها عشقتها أجيال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لأنها تقدم لهم فرصاً متجددة وثروة ومنافع إرضاءً للذات، بما في ذلك الإحساس النفسي بالرخاء والسلطة».

ـ كيف تنظر إلى تحليل وليامز؟

ـ أعتقد أنه على حق، ولكن تذكر أن هذا البلد (الولايات المتحدة) لم يتشكل كإمبراطورية نموذجية على الطراز الأوروبي، مما يجعلها حالة مفارقة للإمبراطورية البريطانية على سبيل المثال.

فالمستوطنون الانجليز الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة لم يفعلوا ما فعلوه في الهند ولم يستغلوا السكان الأصليين لإيجاد واجهة يحكمون من خلفها. لكنهم تركوا البلد بشكل كبير من دون سكان أصليين. وبالتالي، فإن الوضع كان مختلفاً كلياً. السكان الأصليون في ما يسمى اليوم بالولايات المتحدة قد «أبيدوا»، وذلك كي نستخدم العبارة التي استخدمها آباؤنا المؤسسون.

لم يبيدوهم عن بكرة أبيهم، لكن ذلك هو ما اعتقدوا أنه كان عليهم القيام به. استبدل السكان الأصليون وتحولت الولايات المتحدة إلى دولة أعيد إعمارها وليس إلى دولة استعمارية استيطانية.

ولقد قام توسع الأرض الوطنية على أساس هذه القاعدة بالذات، بما في ذلك ضم مساحات واسعة من الأراضي المكسيكية.

وإذا عدنا إلى عشرينات القرن التاسع عشر، سنجد أن أولى مراهنات السياسة الخارجية للولايات المتحدة كانت الاستيلاء على كوبا. ففي تلك السنوات، كان كل من توماس جيفرسون وجون كوينسي آدمز وآخرين ـ كانوا يعتبرون كوبا الخطوة التالية لعملية التوسع. لكنهم اصطدموا في الطريق مع البريطانيين.

وكان الأسطول الانجليزي أقوى بكثير وبالتالي، فإنهم لم يتمكنوا في تلك اللحظة من الاستيلاء على كوبا. ولقد أطلق جون كوينسي آدمز، وزير الخارجية آنذاك، تصريحاً بات مشهوراً قال فيه: في الوقت الحاضر، يتعين علينا الانسحاب، لكن بفعل «قوانين الجاذبية السياسية»، فإن كوبا ستقع في وقت لاحق، بين أيدينا «ثمرة ناضجة».

وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستزيد من نفوذها آجلاً أم عاجلاً، وأن بريطانيا العظمى ستخسر ذلك النفوذ وأنه بمجرد انسحاب القوة الرادعة، لن يبقى أمام الأميركان سوى التقاط الثمرة الناضجة. وهذا ما حدث عملياً في 1898 تحت ذريعة «التحرير».

لكن جميع عمليات التوسع التي قامت بها الولايات المتحدة حتى الحرب العالمية الثانية، لم تترجم في صورة إقامة مستعمرات تقليدية. وفي تلك الحقبة بالذات، تم في عام 1898 احتلال هاواي بسكانها وسلبت تلك الدولة عن طريق القوة والخداع ومن ثم أستبدل سكانها الأصليون ولم تستعمر.

أما في حالة الفلبين، فلقد كان الوضع مغايراً إذ إنه أشبه بالمستعمرة، وتعليقات وليامز صحيحة، في هذا السياق، لكني أعتقد أنها تشير إلى نظام امبراطوري مختلف.

فإذا نظرنا إلى الامبراطوريات التقليدية، مثل الامبراطورية البريطانية سنجد أنه لا توجد أدلة واضحة على أن سكان بريطانيا العظمى قد كسبوا شيئا في الواقع، إن الأمر يتعلق بمادة دراسية صعبة للغاية حول نوع من الموازنة بين تكاليف وعوائد الامبراطورية.

ولقد جرت بعض المحاولات لدراسة هذا الجانب. وفي حالة تلك الدراسات، التي تستحق العناء، فإن ما سينتج في الخطوط العريضة يفيد ان التكاليف والعوائد تتساوى تقريباً.

إن صنع الامبراطوريات أمر مكلف، فحكم العراق لا ينطوي على ثمن بخس، ويتعين على أحد ما ان يدفع الثمن وان يدفع للشركات التي تدمره وللشركات التي تعيد بناءه.

وفي الحالتين، فإن دافعي الضرائب الأميركيين هم الذين سيفعلون ذلك، بمعنى أنه يتعين علينا ان ندفع لهم كي يدمروا البلاد ومن ثم كي يعيدوا بناءه، إنهما هديتان غير مباشرتين يقدمهما دافع الضرائب الأميركي للشركات الأميركية ومن المؤكد أنهما ألقتا بظلالهما على العراق.

ـ لا أفهم كيف يمكن لشركتين مثل هالبرتون وبيكتل المشاركة في تدمير العراق؟

ـ من يدفع لهالبيرتون وبيكتل؟ الذي يدفع هو دافع الضرائب الأميركي. المؤسسة العسكرية قصفت العراق ودمرته. من الذي مول هذا؟ الذي مول هذا هو دافع الضرائب نفسه، أولا يدمر العراق ومن ثم يعيد بناءه، إنها عملية نقل للثروات، من غالبية السكان إلى جزء صغير منهم، وهذا ما حدث، حتى في حالة خطة مارشال الشهيرة، التي يتم الحديث عنها وكأنها عمل «إحسان يفوق التصور» لكن من أين أتى عمل الإحسان هذا؟

من دافع الضرائب الأميركي فمن أصل 13 ملياري دولار قامت عليها المساعدات التي أدارتها خطة مارشال، هناك حوالي ملياري دولار دخلا بشكل مباشر إلى جيوب الشركات النفطية الأميركية.

ولقد شكل هذا الواقع جزءا من الهدف الكامن وراء جعل أوروبا تنتقل من اقتصاد قائم على الفحم إلى اقتصاد قائم على النفط، وبذلك تصبح بعض قطاعات تلك القارة أكثر تبعية للولايات المتحدة وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار ان أوروبا لديها الكثير من الفحم، لكنها لا تملك النفط.

وإذا ما تم تحليل ما جرى لباقي المليارات الثلاثة عشر، فالحقيقة هي أن جزءاً صغيراً جداً فقط من ذلك المبلغ غادر الولايات المتحدة، وكل ما حدث هو أنه انتقل من جيب إلى آخر.

وإذا تعمقنا بالدراسة، سنجد أن خطة مارشال ساعدت فرنسا على تغطية نفقات الجهد الذي بذلته من أجل إعادة بناء الهند الصينية. وبالتالي فإن أموال دافع الضرائب الأميركي لم تخدم في إعادة بناء فرنسا بل ساعدت الفرنسيين على شراء أسلحة أميركية لسحق الهند الصينية.

ومن الممكن قول الشيء ذاته على المرحلة الأولى من خطة مارشال في هولندا وعن الفوائد التي قدمتها في الهند الصينية. إنه سيل معقد من المساعدات والفوائد، وإذا عدنا إلى الأمبراطورية البريطانية نجد أن الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص تشير إلى أن النفقات التي دفعها الشعب البريطاني كانت مساوية للفوائد التي تلقتها.

في هذه الحالة أيضا كان الأمر يتعلق بعملية نقل داخلية لثروة أثرت، بصورة خرافية، أصحاب الشركات في الهند، ومثلت ثمناً باهظاً دفعته القوات البريطانية التي سقط أفرادها في الأدغال، خلاصة القول إن الأنظمة الامبريالية تعمل على هذا النحو، الى حد كبير، حيث يمثل صراع الطبقات الداخلي أحد العناصر المهمة.

ـ قد يكون من السهولة بمكان قياس ثمن حياة الناس وأعداد القتلى بين الجنود بالأموال المنفقة، لكن كيف يمكن قياس الانحطاط الأخلاقي أو حتى الحديث عنه؟

ـ صحيح أنه لا يمكن قياس ذلك، لكن الأمر حقيقي جداً وله دلالات عميقة للغاية ويمثل بدوره أحد الأسباب التي تدفع الأنظمة الأمبراطورية أو أي نظام هيمنة آخر، بما في ذلك الأسرة الأبوية، الى الباس أعمالها عباءة الخير والإحسان.

ـ لنعد إلى مشكلة العنصرية، ولنطرح السؤال التالي: ما هي ضرورة أن يجبر أحدهم يقوم بضرب شخصاً ما طرفاً ثالثاً على أن يقول إنه «أي الطرف الأول» إنما يفعل ذلك من أجل مصلحة الطرف الثاني وخيره؟

لأنه إذا لم يفعل ذلك، سيتعين عليه مواجهة الانحطاط الأخلاقي. وإحدى وسائل الحيلولة دون ذلك هي القول: في الواقع، أنا شخص إيثاري يعمل من أجل خير الجميع». لكن اذا كنا شرفاء حقاً، فسيتعين علينا قبول فكرة أن العلاقات الإنسانية غالباً ما تبنى بهذه الطريقة وأن الأمور تسير في غالب الأحيان على هذا النحو داخل الأنظمة الامبريالية.

من الصعب العثور على نظام امبراطوري لا تمدح فيه الطبقة المثقفة لطف ذلك النظام وعطفه، هكذا تجري الأمور حتى في حالة أسوأ المسوخ، عندما قام هتلر بتقسيم تشيكوسلوفاكيا، ترافقت أعمال الهدم مع خطاب رائع حول السلام، الذي كانت ستجلبه هذه الأعمال للجماعات العرقية المشاركة في النزاع.

وقيل إنها بهذا الشكل كانت ستتمكن من العيش معاً بسلام تحت رعاية الألمان العطوفة. ومن الصعب العثور على استثناء لهذه القاعدة. وهو الأمر الذي ينطبق كذلك على الولايات المتحدة وبشكل واضح.

ـ معروف عن مارك توين أنه كتب «مغامرات توم سوير» و«مغامرات هكلبيري فين»، لكنه كان أيضاً معارضاً شديداً لحروب الولايات المتحدة العدوانية.

وكان يشكل، قبل قرن من الزمن، جزءاً مما كان يسمى «العصبة المناهضة للامبريالية» وكتب في «الأجنبي الغامض» ما يلي: «ومن ثم قام الرجال باختراع أكاذيب رخيصة، جاعلين الذنب يقع على رأس الأمة المهاجمة، وسيبقى كل رجل سعيداً بتلك الأكاذيب المطمئنة للضمير .

وسيدرسها بنزاهة وسيرفض معاينة التفنيدات المحتملة وسينتهي مقتنعاً بأن الحرب عادلة وسيشكر الله على الحلم اللذيذ وعلى عملية خداع الذات المثيرة للضحك تلك.

ـ لماذا يبقى هذا الجانب من توين مخفياً بصورة كاملة تقريباً؟

ـ إنها قصة رائعة. ولابد أن نتذكر أن أحد النشاطات الرئيسية، التي قام بها توين في السنوات الأخيرة من حياته، كانت مشاركته الفعالة في حركة المعارضة للحرب في الفلبين. كما كتب توين أبحاثاً رائعة معادية للامبريالية.

لكن لا توجد مراجع لها في أي مكان، واعتقد ان الإصدار الأول العام بهذا الخصوص كان كتاب «أسلحة النقد الساخر»، الذي نشره جيم زويك قبل عشر سنوات، ونشرت جامعة سرقسطة للصحافة مجموعة من أبحاثه المناهضة للامبريالية، وإذا لم تخني الذاكرة، فإن مقدمة زويك مشيرة إلى أن السِّيَر الذاتية الرسمية لا تشير إلى تلك الكتابات، غم أنها ليست سرية كذلك.

لماذا؟ السؤال نفسه يتضمن الإجابة: لا نريد أن يدمر أحد قناع العطف الذي نختبئ وراءه.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن «لاهورنادا» ـ المكسيك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات