سوريا أمام زيادة مأزقها استحكاماً أو مواجهة هاوية بلا قرار

سوريا أمام زيادة مأزقها استحكاماً أو مواجهة هاوية بلا قرار

التوقيت الذي انتقاه عبدالحليم خدام لتفجير قنبلته العنقودية، زاد حجم الأضرار الناجمة عنها. خدام باغت الجميع، في لبنان كما في سوريا. المفاجأة أربكت المنهمكين في محاولة احتواء تداعيات زلزال اغتيال رفيق الحريري، الارباك طال المعنيين بالبحث عن الجاني في تفجيرات التصفية التي استهدفت اللبنانيين الآخرين بعد الحريري، المنكبون على استثمار الزلزال وتوابعه لم ينجوا كذلك من آثار المباغتة.

وحدها لجنة التحقيق الدولي في اغتيال الحريري تبدو هانئة بقنبلة خدام التلفزيونية. من غير الممكن الفصل بين فعلة خدام وطلب اللجنة لقاء الرئيس السوري ووزير خارجيته.

من المؤكد أن اللجنة وجدت في حديث نائب الرئيس السابق ما يعينها على استئناف مهمتها على عجل. طلبها لقاء الرئيس بشار الأسد في مستهل هذه الجولة يثير أكثر من علامة استفهام كبرى أمام اللجنة وخدام في وقت واحد. أمام القيادة السورية خياران أحلاهما مر، فهي تزيد المأزق استحكاماً، إذا رفضت الاستجابة لطلب اللجنة، وهي تضع نفسها على حافة هاوية بلا قرار، إذا هي قبلت دون انجاز مهمتين على الأقل.

ربط الاستئناف بلقاء الرئيس يشكل تصعيداً من قبل اللجنة على نحو يطرح سؤالاً تلقائياً، عما إذا كان خدام على علم مسبق بعزم اللجنة طلب الأسد والشرع أم جاء استباقة هذه الخطوة عفو الخاطر.

مجيء طلب اللجنة تزامن مع انهماك كل نساء ورجال النظام السوري في تشكيل مصد لحماية الرئيس من تداعيات قنبلة خدام. هذا التزامن يتطلب درجة عالية من اليقظة والتركيز من قبل نساء ورجال الرئيس.

الهجمة السورية المكثفة على خدام ووصمه بتنفيذ سيناريو مرسوم في سياق استهداف النظام، تبقى دون مستوى التصدي المطلوب. في الهجمة العديد من الأسلحة الارتدادية. المهمة تتطلب انضباطاً أعلى ورؤية أكثر لمعرفة من استبق من، وما إذا كان ذلك الاستباق جاء في إطار سيناريو. التيقن من ذلك كله لن يتوقف عند إدانة أو تبرئة عبدالحليم خدام بقدر ما يعين على إعداد خطة التحول من الدفاع إلى الهجوم العقلاني.

الانتماء للوطن ليس حالة انتقائية

ما من سبيل أمام الرئيس السابق لإدعاء الطهارة السياسية. القنبلة العنقودية التي ألقى بها في وجه النظام ترتد إليه. خدام نفسه لا ينجو من أضرار توقيت إلقاء القنبلة. كشف المستور عقب الإقصاء يضع صاحبه بالضرورة في موقع الراغب في الانتقام.

هناك بون شاسع بين ممارسة النقد والجنوح الى التشفي. عبدالحليم خدام ظل أحد القياديين المتنفذين في قمة النظام السوري عقوداً. الرجل كان أحد مهندسي خلافة بشار الأسد لأبيه. هو نائب الرئيس الذي مهر بتوقيعه المراسيم الرئاسية التي صاحبت تنصيب الرئيس الابن.

الاعتراف بالخطايا السياسية فضيلة غائبة في الوطن العربي. توقيت خدام يجرده من ذلك المضمون الأخلاقي الاستثنائي. ممارسة النقد من موقع الهزيمة في الوقت الضائع يصبح توغلاً في الخطايا. بعد الإقصاء يكون الصمت أفضل من الكلام المباح.

الزمن السوري السياسي يجعل قنبلة خدام من الطراز الفراغي. الكلام عن الانحياز للوطن بدلاً عن النظام بعد مغادرته ينقلب على صاحبه. النظام لا يصبح حالة عارضة بعد الخروج منه. الوطن حالة دائمة بغض النظر عن توقيت اكتشاف هذه الحقيقة. الاعتراف بها متأخراً يدين صاحبه. الانتماء للوطن ليس حالة انتقائية في كل الأحوال.

غير ان استيعاب تلك الحقائق لا يبطل مفعول قنبلة خدام العنقودية. التوقيت ليس في صالح خدام لكنه يلحق الأذى كذلك بالنظام. القنبلة العنقودية التي فجرها خدام من مقره الباريسي طالت مؤسسة الرئاسة، الرئيس على نحو شخصي، جهاز الأمن المسؤول الأخير عن الملف اللبناني، وزير الخارجية، الحكومة في إطارها العام، الطاقم الاقتصادي على وجه التحديد وكل أجهزة الدولة المكلفة بالمحاسبة والشفافية.

خدام السياسي المتمرس ورجل الدولة العتيق لم يصدر عن موقف رجل يائس في عملية انتحارية. هي مغامرة جريئة لكنها خاضعة لحسابات رجل ينتقي الكلمات مثلما انتقى التوقيت. خدام عمد الى بناء جدار داخلي وإقليمي يسند إليه الظهر قبل أن يفجر قنبلته. ذلك نهج رجل كان يتوقع ردود أفعال شرسة اذ لوح مهدداً بمزيد من القنابل والتفجيرات.

في مغامرته المحسوبة الأبعاد عمد خدام إلى بناء حائط سوري قوامه البسطاء المحرومون وبينهم من يبحث عن لقمته في القمامة. بين هؤلاء كذلك الغاضبون على الفئة القليلة المستأثرة ببحبوحة العيش.

الشرائح المحرومة لم تأت في غضون السنوات الأخيرة. بالتأكيد هي نتيجة تراكمات سنين عديدة كان خدام إبانها في قمة هرم النظام. حرمان الشعب من حقوقه السياسية كلام ظل يردده كل السوريين خارج البعث. الحديث عن الحق في تداول السلطة أصبح ممكنا ولو خافتا في السنوات التي صاحبت استدراج خدام خارج مواقعه.

رد انفعالي

خدام كان مهيأ لرد فعل شرس من قبل نساء النظام ورجاله. في الحديث التلفزيوني توقع رد فعل مضاداً يضيق عليه، الهجوم المكثف على خدام مثل قنبلته يرتد إلى أصحابه، كشف فساد نائب الرئيس المنشق وأبنائه يدين النظام بأسره.

الرد الرسمي على خدام اتسم بالانفعال أكثر من الموضوعية، كل النواب تساووا مع نائب الرئيس السابق في التوقيت إذ جاء حديثهم في الوقت الضائع. السكوت عن فساد خدام وأبنائه إلى حين هجومه على النظام يدين أصحابه. الذين بدأوا إعداد ملفات محاكمات خدام غير مبرئين من المساءلة السياسية، الوطنية ليست حالة انتقائية أو رد فعل، نائب الرئيس السابق متهم باستغلال النفوذ، ثمة مسؤولون آخرون متورطون بالضرورة في التسهيل لخدام وأبنائه، قضية النفايات النووية ليست بالجديدة، هناك أطراف داخل النظام ساهمت في دفن تلك القضية مثلما هناك أياد رسمية ساعدت أبناء خدام في جني ثروات من وراء ظهر الشعب.

القضاء النزيه سيستدعي حتماً مسؤولين للمثول أمامه. إدانة خدام بالفساد لا تتطلب بالضرورة إجراءات سليمة إذا استمر التعامل بالانفعال الحالي.

ثمة مسؤولون سيعمدون إلى عرقلة المحاكمة أو تفريغها من مضمونها الوطني لأسباب متباينة.

حسابات خدام لم تكن تقتصر على الصعيد السوري الداخلي وحده بل أخذت في الاعتبار الوضع الإقليمي والدولي. إذا كانت قنبلة خدام جاءت في سياق الصراع على السلطة في دمشق فإن سوريا نفسها مستهدفة على الساحة الإقليمية. ليس الدور السوري في لبنان وحده الواقع في مرمى النار.

سوريا تتعرض إلى ضغوط على كل حدودها بأثقال متباينة، انكفاء النظام السوري داخل حدوده غاية طارئة في التقاطعات الدولية على الصعيد العربي. الحملة المكثفة تستهدف فيما تستهدف تهشيم صورة دمشق قلعة قومية في بعض العيون العربية. الحصار لم يعد يتيح للنظام السوري تصدير بعض أزماته الداخلية عبر الحدود.

نائب الرئيس السوري ورأس الدبلوماسية أكثر من عقدين يدرك هذه الحسابات المركبة. في رصيد الرجل مهارات مكتسبة تجعله كيف يركب الموجة في الزمن المناسب، بالمهارة نفسها استهدفت قنبلة خدام أهدافاً خارج الحدود السورية، في لبنان طالت رئيس الجمهورية وسياسيين عدة.

كل الفرقاء اللبنانيون ارتبكوا إثر تفجير القنبلة التلفزيونية، عبد الحليم خدام ليس شاهد عيان فقط على الأزمة اللبنانية بل هو أحد أطرافها. الرجل ظل مكلفاً بالملف اللبناني سنين عدداً.

زيادة التشظي اللبناني

إذا كان اتهام خدام للنظام بانتهاك سيادة لبنان والمساس بهيبة الدولة فيه فإن الاتهام يطال بالضرورة نائب الرئيس الذي أدار اللعبة السورية في لبنان سنين عدداً. إذا كانت دمشق دأبت على تنصيب وعزل رؤساء الجمهورية والحكومة في بيروت فهذه ليست بدعة على أيام بشار الأسد. إذا كان النظام السوري وضع لبنان رهينة في قبضة جهاز الأمن ورجاله في دمشق فإن نائب الرئيس السوري المنشق كان راسماً ومشرفاً ومنفذاً لذلك النهج. إذا كان عدد من الساسة اللبنانيين تعرضوا للسباب والتحقير من قبل مسؤولين سوريين فإن عبد الحليم خدام ليس بريئاً من تلك الممارسات الخرقاء.

في عهد خدام نائباً للرئيس السوري أو مكلفاً بالملف اللبناني شهد لبنان سلسلة من التصفيات الجسدية لشخصيات لبنانية بينهم سياسيون وإعلاميون بتفجيرات وأدوات أخرى لا تقل دموية.

لذلك كله ارتبك الفرقاء اللبنانيون إزاء قنبلة خدام التلفزيونية، الذين اعتبروه خصماً منشقاً استهدفهم في سياق المكايدة الانتقامية، وجدوا أنفسهم وهم يتصدون لقنبلة خدام سقطوا في فخاخ الشبهات إذ اصطفوا مع الخارج ضد الداخل. رد الفعل جاء متعجلاً فألحق أذى ببعض المؤسسات وتشويهها لبعض الأسماء.

الذين ربطوا بين قنبلة خدام وطلب اللجنة الدولية لقاء الرئيس السوري ووزير خارجيته، عبروا عن سذاجة دبلوماسية، أكثر من الكياسة السياسية.

قنبلة خدام أصابت معسكر الذين ناصبوا النظام السوري العداء بعد اغتيال الحريري. الذين رأوا في حديث نائب الرئيس المنشق شهادة يقين على إدانة النظام بالقتل، لن يجرؤوا جميعاً على استكمال المشوار المنطقي.

العديد من هؤلاء تعاملوا مع خدام بينما كان مكلفاً بالملف اللبناني ومعظم هؤلاء تعرضوا للاستخفاف أو التحقير من قبل نائب الرئيس السوري. كلهم شهود على المساس بهيئة الدولة اللبنانية، والتدخل في شؤون الوطن من قبل سوريا، حيث كان خدام رأس الرمح، في كل ذلك. جميعهم شهود على إطلاق أيدي رجال الأمن السوريين في لبنان.

قنبلة خدام العنقودية زادت حجم واتساع دائرة التشظي اللبناني. حلفاء سوريا لم ينجوا هم كذلك من الارتباك الناجم عن قنبلة خدام. ثمة قراءة ترى في مغامرة نائب الرئيس السابق مؤشراً لحالة داخل النظام لا تبعث على الارتياح. بغض النظر عن صدقية تلك القراءة، فإن الثابت أن التداعيات الناجمة عن قنبلة خدام لا يعزز الثقة في قدرة النظام على استقطاع ما دأب عليه من الوقت والجهد للشأن اللبناني.

شيء ما داخل النظام السوري

فرضية السيناريو الذي يربط بين قنبلة خدام وطلب لجنة التحقيق الدولي لقاء الرئيس السوري ووزير خارجيته، يضع قبول سوريا التعاون مع اللجنة داخل أنبوب الاختبار. مع أن التجاوب ينسجم مع التوجه السوري المعلن إلا أن المراقبين سينظرون إليه في إطار التداعيات التي أحدثتها قنبلة خدام.

على الرغم من أن رفض دمشق التجاوب مع اللجنة وإعلانها رفض الرئيس، الطلب ليس بالمستبعد في سياق مواقف سوريا المألوفة، إلا أن هذا الرفض على وجه التحديد لم ينظر إليه إلا في سياق تداعيات قنبلة نائب الرئيس المنشق.

الحالتان تفرضان على دمشق ممارسة قدر كبير من البراعة السياسية ليس لإعلان الرفض أو القبول، إنما في إخراج أي الخيارين رأت، بحيث تتم قراءة الموقف المعلن في معزل عن قنبلة خدام، ما استطاع خبراء النظام إلى ذلك سبيلاً.

الإخراج الحصيف لا يشهد فقط الحفاظ على هيبة النظام فقط بل يذهب بالضرورة إلى تفريغ قنبلة خدام من فعاليتها. من المؤكد أن الخبراء المعنيين في دمشق باحتواء انشقاق خدام أدركوا بعد فوات نصف الأوان أن حملة الهجوم الرسمية التي كان البرلمان قاعدتها خلت من الكياسة السياسية في التعامل مع القضية.

ثمة معارضون سوريون وجدوا في حملة الهجوم الرسمي على خدام مثلما عثروا في انشقاق خدام وقوداً، يمكن إشعاله بذكاء في وجه النظام. هجوم نائب الرئيس المنشق على النظام والهجوم الرسمي المضاد على خدام يصبَّان في خدمة المعارضة. الطرفان اعترفا علناً بكم من الفساد يزكم الأنوف.

انشقاق خدام جاء عقب انتحار وزير الداخلية غازي كنعان في مكتبه في توقيت بالغ الحرج بالنسبة للنظام. قطاع عريض داخل سوريا وخارجها لم يتقبل الرواية الرسمية لانتحار وزير الداخلية. البعض يردد كلاماً عن تصفية كنعان تصفية سياسية لأسباب تتعلق بالملف اللبناني أو اغتيال الحريري على وجه الدقة. وزير الداخلية كان المسؤول الثاني الذي انتحر في ظروف غامضة. الأول كان محمود الزعبي رئيس حكومة وبرلمان سابق، انتحر تحت ضغط داخل النظام.

الرجل كان يواجه اتهامات بالفساد. بغض النظر عما إذا كان وزير الداخلية انتحر أو نحروه، فإن هذه النهايات التراجيدية التي تشبه الحكايا الإغريقية القديمة توضح بجلاء أنه ثمة شيء ما داخل تركيبة النظام يستوجب معالجة جذرية. ربما يزعم البعض أن النظام فقد قدرته التقليدية على الانضباط والتماسك.

التحريض على الهرب إلى الخارج

مغامرة عبدالحليم خدام ربما تغري بعض المترددين أو الوجلين في صفوف المسؤولين بالانشقاق. من غير المستبعد وجود مسؤولين يرصدون تداعيات مغامرة خدام ومصيره. ليس مستبعداً أن يفتح مثول نائب الرئيس السابق أمام لجنة التحقيق الدولي تقدم معارضين سوريين للشهادة.

بعد قنبلة خدام لم يعد الملف السوري منحصراً فقط في قضية اغتيال رفيق الحريري. من المؤكد أن نائب الرئيس المنشق يستهدف إطاحة النظام السوري نفسه.

صحيح أن الإدارة الأميركية أكدت أكثر من مرة أنها لا تريد تغيير النظام السوري لكنها ترغب في حمله على تغيير سلوكه. قد لا يجافي المنطق القول كذلك ان واشنطن بلغت بها القناعة حداً يجعلها لا ترى إمكانية تغيير النظام السوري سلوكه. متابعة هذا المنطق يفضي إلى قناعة الإدارة الأميركية بالعمل على تغيير النظام في دمشق.

من المفيد الإشارة هنا أن أميركا ليست الوحيدة التي تعمل على إجبار النظام على تغيير سلوكه الإقليمي أو استبداله. التجربة العراقية أثبتت استحالة إعادة إعمال سيناريو التدخل العسكري. المنطق يفترض أن القوى الراغبة في كتابة نهاية النظام السوري تبحث عن خيارات مغايرة للسيناريو العراقي. المنطق نفسه يقود إلى فرضية تعتبر خدام مخلب قط في سيناريو أجنبي.

الفرضية ذاتها لا تطرح قناعة الأطراف الراغبة في رؤية نهاية النظام السوري باعتبار خدام بديلاً مقبولاً. من غير المحتمل أن يكون نائب الرئيس المنشق أقنع نفسه بعودته رئيساً مع كل العقد المحتملة يستبعد المرء إصابة عبدالحليم خدام بالفصام السياسي على هذا النحو الفاضح. بما أن مثل هذا الخيار رهان خاسر فالأقرب للعقل أن يكون خدام أنموذجاً يحرض على الهروب من سفينة يراد لها الغرق.

افتراض أداء خدام دور المخلب في سيناريو أجنبي يفضح إخفاق الثقافة السورية التي ظلت ماكينة النظام تضخها على مدى أربعين سنة. كل القنوات السورية مشبعة حد التخمة بالثقافة الوطنية والالتزام الوطني والوعي القومي.

الواقع ليس الافتراض وحده الذي يفضح هذا الإخفاق. الحملة الرسمية المكثفة على نائب الرئيس المنشق ذهبت أبعد من خدام في كشف هذا الفشل. نواب الشعب رجموا نائب الرئيس بكل الجرائم السياسية والأخلاقية ما وسعتهم التعبيرات الخرقاء في القاموس العربي.

كل ذلك الهجوم على نائب الرئيس يؤكد التماهي الأعمى بين النظام والوطن في مخيلة البرلمانيين السوريين.

من الواضح في صحائف الاتهامات التي حررها النواب أن أفعال عبدالحليم خدام وأبناءه لم تصبح جرائم مخالفة للقانون إلا بعد انقلابه ضد النظام. عندما كان خدام ساكتاً قانعاً باقصائه لم يجد برلماني واحد الجرأة للنبش في ماضيه. بعد تفجيره قنبلته من مقر إقامته الباريسي امتلك الجميع الشجاعة لرجمه والمطالبة بمحاكمته ومصادرة ممتلكاته.

الصحافة السورية أقدمت على نشر قوائم بما يملك خدام وأبناؤه. الحياء لم يحمل أياً من البرلمانيين على التزام الصمت. نائب الرئيس المنشق وخصومه الجدد أكدوا كل على طريقته في فخاخ التماهي الأعمى بين النظام والوطن.

نائب الرئيس لم يختر الانحياز للوطن إلا بعدما تم اقصاؤه من مواقع السلطة. البرلمانيون والمشاركون في رجم خدام لم يتدافعوا على فضح جرائم نائب الرئيس السابق إلا بعد انقلابه ضد النظام. الفرص عديدة ومتباينة كانت أمام خدام لتأكيد الانحياز للوطن دون أن يفتح عليه أبواب الجحيم.

على نقيض تلك الخيارات المتعددة من شأنها إعلاء كعب عبدالحليم خدام والتغاضي عما اغترفه في حق الوطن والشعب. تلك الخيارات ليست بالضرورة في خدمة النظام أو الانقلاب عليه. لكن التماهي بين الوطن والنظام أكثر رسوخاً في عقلية نائب الرئيس لذلك اختار السقوط المزدوج.

الطرفان، عبدالحليم خدام وخصومه الجدد جنحا إلى النزعة الثأرية تحت ضغط الثقافة الشمولية الرافضة للفصل بين الوطن والنظام. بما أن خدام أحد كهنة هذه الثقافة وأحد سدنة التماهي بين النظام والوطن فليس ببعيد أن تعض الحسرة خصومه الجدد. من غير المستبعد ألا يكون نائب الرئيس المتمرس في لعبة الثأر باسم النظام قد تحسب لهذه النزعة المتمكنة من ضحايا فوبيا التماهي المصطنع بين الوطن والنظام.

من يقف إلى جوار خدام ؟

من الواضح الجلي أن معركة خدام وخصومه هي معركة فرعية على جبهة داخلية. هذه الجبهة تصبح باردة حينما تكون ثمة جبهة مفتوحة في الأفق الخارجي.

كل نساء النظام ورجاله يواجهون معركة مصيرية ذلك أن رأس النظام أصبح أمام مرمى نيران الاعداء.

عبدالحليم خدام نقل مجهر التصويب من ملف اغتيال رفيق الحريري إلى ملف اطاحة النظام الحاكم في دمشق. نائب الرئيس السابق لعب لعبة خطرة في توقيت أربك الجميع.

دمشق كانت أكثر استرخاء بعد العرض التلفزيوني الذي قدمه «الشاهد المزدوج» وعقب إعلان القاضي الألماني ديتليف ميليس التخلي عن مواصلة التحقيق الدولي وبعد قرار مجلس الأمن 1644 فقد بدأت الجبهة الخارجية باردة ونجح حلفاء سوريا في لبنان في إشغال بيروت بأزمة حكومية.

عبدالحليم خدام كسر كل الحسابات السورية فأربك النظام. سر مفاجأة خدام تكمن في التوقيت غير أن أسئلة جارحة تزامنت مع تلك المباغتة. إطلاق خدام قنبلته من باريس أثارت الشكوك عما إذا كان للسلطات الفرنسية علاقة مباشرة في التفجير.

بينما ذهبت الألسن السورية في رجم خدام بالعمالة لأميركا تساءل البعض عما إذا كان هناك اتفاق بين واشنطن وباريس لتولى الثانية أمر الملف السوري ـ اللبناني. هذا التساؤل ينم عن فرضية بوجود مخطط دولي لإعادة مستودعات النفط في العراق عمدت إلى استرضاء فرنسا بإطلاق يدها شرقي البحر المتوسط. الفرضية تذهب لجهة اتهام عاصمة واحدة على الأقل بالتضامن مع باريس على الأقل في هذا المفصل الزماني.

من الواضح أن دمشق تنتظر استكمال الرئيس المصري حسني مبارك جهوده لإعلان موقفها النهائي إزاء مسألة قبول الرئيس السوري بشار الأسد مثوله للتحقيق.

رد الفعل السوري بشكل عقدة الأزمة إذ الرفض سيضع سوريا تحت طائلة عدم التعاون. ربما يكون هذا هو الفخ الذي تسعى الضغوط الخارجية لاستدراج دمشق إليه. عندئذ يصبح الحديث عن رفض النظام السوري وسلوكه أمراً مشروعاً لكن هذه الخلاصة المنطقية لا تفضي بالضرورة إلى عزم تلك الضغوط تغيير النظام نفسه. الأقرب إلى القبول أن غاية تلك الضغوط إجبار النظام على تغيير تركيبته وليس سلوكه أو استبداله.

خلخلة الوضع السوري المستقر ليس في مصلحة كل القوى الضاغطة. الذهاب لاستبدال النظام بعملية جراحية مهمة مستحيلة. ما من بديل سوري جاهز لحل مكان النظام. لا يزال أمام نساء النظام ورجاله في دمشق متسع للمناورة.

تعزيز الجبهة الداخلية بمصالحة الخصوم وتنقية الأجواء بين دمشق ولبنان أقصر الطرق لتنفيذ مناورة ناجحة. ربما تتقدم الثانية على الأولى من حيث الأولوية. لم لا تتم المناورتان في وقت واحد. قبول النظام التعاون دون إنجاز المهمتين يعني أنه وضع نفسه على حافة هاوية من التنازلات بلا قرار.

متابعة ـ عمر العمر:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات