إملاء الصوت

من العادات المعروفة التي ما زالت فينا، حنيننا إلى الماضي، وبالتحديد في جوانبه المثالية، لنتوق إلى زمن نموذجي كما نتصور، متوهمين أنه أكثر إحساناً عن الآن، الذي لا نركز إلا على المتعب فيه، فنصب الأشجان ونثرثر عن الذي كان ومضى، متابعين حاضرنا بوهن، ونحن لا نكل من إدامة النظر عن الذي انصرف، ونتخطى حاضرنا المُعاش، متأملين في الغد، ونبقى مشتغلين على تعزيز الذاكرة الصورية فينا، لا الصوتية، وعن عصر ماضينا الفاضل، كما نعتقد، على الرغم أنه لا يوجد عصر للحكمة في كل نواحيه، ولا عصر للانحطاط الكامل، كما يُشاع ويُدوّن، لأنهما متلازمان على الدوام، وفي كل العصور، من خلال نوع أصواتنا.

هذا الماضي بصوته الذي لا يترك أحداً في حاله، بنى الإنسان عليه روحه وذهنه وتكوينه، متصوراً أنه لن يكون له تكوين جديد، وهذا يحدث عادة لمن يشبه صوته صوت الآخرين، ولمن لا ينصت لصوته الداخلي المفقود في أعماقه، ولا يصغي عميقاً في ما يجهل عن روحه، ولا يستوعب المغرور فيه، أو المريض فيه، أو حتى الضائع أو المجنون أو المبدع أو المخطئ... فيه، بل يعيش على إملاء صوت الآخرين النائمين في الماضي على حلم القادم.

ثمة صوت يختزن فينا ولا نراه، يتغير فينا ولا نعيه، ونحن في إثبات هذه الذات بين صوت الماضي وصوت الغد، ولا نسمع سوى صراخ نجاح من وهم، وننظر إلى صوت ليس لنا، ونراوح المكان، وننتهي من هذه الحياة كالملايين الذين رحلوا، معتقدين أنهم عاشوا بأصواتهم في عصورهم، تلك التي اعتمدوها عصراً للحكمة أو عصراً للانحطاط، وهؤلاء هم من تركوا لنا نصوصاً خرساء، نصوصاً هتفت للضوضاء بعد الاتكاء على إملاءات العصر، لتبقى أصواتهم صامتة إلى الأبد في أعماق الأرض والعدم.

التقصي والبحث عن ذلك الصوت الخاص فينا، أمر في غاية الصعوبة والسهولة أيضاً، صعوبته في تفكيرنا البصري الشديد التأثر بصوت الواقع المادي المعاش، وسهولته في التقرب من فطرتنا وأطباعنا البدائية الطبيعية الأولى، وهذا لا يعني القبض على موج البحر أو الإمساك بالهواء، فيكفي أن نعي أصلنا الخَلقي الإنساني الخلاق الظافر بصوت الطبيعة، بمعناه الواسع، وبقايا ما فيه من جرس الرحمة واللطف، لنعرف من نحن، متناولين صوتنا الخاص، صوتُ الفطرة الآنية، لا الماضية ولا الآتية، وكفانا من عصر ينتمي إلى إملاء الصوت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات