استراتيجية الثقافة

حين نقول مؤسسة، فهي قادمة لغوياً من كلمة أس ماضيها أسس، والتأسيس هيكلة أو منشأة، عادة تقوم برامجها على المدى البعيد جدًا، مهما كانت هذه المؤسسة دولة أو مدينة أو قرية أو وزارة أو معهد أو بيت أو مدرسة أو مسجد أو جامعة أو متحف أو مصرف،... بمسمياتها المختلفة يبقى الأساس المستخدم في أبعادها المحددة هو بغرض الإدامة، وعليها أن تنتج الأمل في تحقيق المراد، من عوائد فكرية، مالية، روحية، سياسية، إدارية، تربوية، وعلمية... إذن المؤسسة مهما كان حجمها صغيرًا أو كبيرًا فإنها تؤسس على أفكار إنتاجية ذات شأو وأمد، لا مجرد برامج وأنشطة وأسفار ومهرجانات وما إلى ذلك، ينتهي ذكرها في المنشورات والصحف ثم التكريم، والنتيجة تصفيق مؤقت.

نعلم أن المجتمع أيًا كان هو عبارة عن ناس ينتسبون لمؤسسات ويعملون على إنجاحها نجاحًا طويل المدى، وقد لاحظنا في السنوات الماضية كيف خرجت استراتيجيات كبرى لمؤسسات نفطية ومصرفية واستثمارية في الدولة نجحت ولمعت بموارد بشرية ومالية هائلة دعمت الوطن في تطوير مهارات المواطن مثل «أدنوك» و«بترول أبوظبي» و«مصدر» المدينة المميزة للمستقبل، و«موانئ أبوظبي» وشركات عدة مثل «إعمار» و«النخيل» وغيرها.

ونعلم كذلك أن مصدر الاستراتيجية صناعي، والصناعة قاعدة ولها أهداف بعيدة، وهي مفردة بارعة مستخدمة في المراكز العسكرية والحكومية للنهوض بالاقتصاد القومي، ومن هنا نتساءل عن الثقافة: ما استراتيجية المؤسسات الثقافية؟ بالطبع الاستنارة، فالثقافة أنبل ما يمارسه الإنسان في مجتمعه وهي ثروة الوطن، وهي لكل مواطن في المجتمع، ثقافة السلوك والطعام وطريقة الاستماع والحديث وأسلوب نشاطه كسله اطلاعه ملبسه... إذن لابد من تنظيمها، وفي تصوري من هنا يأتي معنى رسملة الثقافة في حفظ وادخار الذاكرة الثقافية الجمعية.

ومن هنا تبدأ المؤسسة وتأتي بجمع الباحثين الوطنيين (جميعهم) لتأسيس ما تسمى بـ«الموسوعة الوطنية» مهما بلغ هذا المشروع من جهد ومال وزمن، فالموسوعة بُنية حقيقية وأهم استراتيجية ثقافية، لأنها تضم آلاف الصفحات عن العلوم والآداب والرياضة والأعلام والقانون والفنون والاقتصاد... وموجهة للمثقف غير المتخصص، فلا يخلو وطن من موسوعة يعود لها كل حينٍ تلميذٌ وطالبٌ وأكاديمي وأم وعالم وصاحب كل حرفة ومهنة... يدعم تنظيم المصالح في الثقافة وبالتالي الدولة.

وأخيرًا للمؤسسات الثقافية موقف أيضًا خاصة حين تواجه المؤسسات الأخرى وإن كانت تعليمية إذا شعرت بخطورة إنتاجها على الثقافة واللغة تحديدًا، فنحن اليوم لم نعد بحاجة إلى مؤسسة ثقافية تنتج برامج جيدة تبدو أقرب لأنشطة وقتية، إنما استراتيجية كبرى لإدارة أعمدتها الصلبة الآن وغدًا والمستقبل البعيد تحفظ وتفسر وتنشر المعرفة الثقافية والعلمية والبيئية وتثقف المواطن بمراجع ضخمة وموسوعات وقواميس صورية... تخصه كمشروع معرفي واسع النطاق، لأنها الاستراتيجية التي تُسهل تفاعل المواطن مع ثقافته ووطنه وترمم لغته وروحه ورؤيته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات