«مانجو ألفونسو»

قبل سنوات حين كنت مستغرقة في بحثي عن المستعمرات البرتغالية في الخليج والهند، لفتت انتباهي رسالة كتبها الخبير العسكري البرتغالي «ألفونسو البوكيركي» يوجهها بأدب مقنع إلى الملك البرتغالي وهو في منفاه طالباً منه تكريمه ومنحه الألقاب المستحقة بعد أعماله البحرية الواسعة وسيطرته على أغلب مواقع العالم وضمها إلى الإمبراطورية البرتغالية، منها الهند والخليج... لكن استوقفتني جملته التي ركز عليها حيث كتب: «...احتكار تجارة التوابل».

كان تمهيداً عن مدى أهمية التوابل (البهارات) الحلم الذي راود البرتغاليين بعد اعتقادهم الطويل بأنها تحيي الموتى، وبالطبع هو قول مجازي عن الشفاء من الأمراض والمداوة بها، وبدا لي أيضاً كديباجة تلميحية من البوكيركي لأفضاله على أرض الهند الغنية التي أصبحت تحت إمرة البرتغال، حينها رأى الملك أنه جدير بالتقدير، آمراً منحه لقب «دي».

عُرف عن «ألفونسو دي البوكيرك» رغبته الشديدة في توفير فصيلة من ثمرة مانجو هندية موسمية تزرع على طول الأراضي الهندية الغربية، ليتبع ذلك حرصه ضمان كميات كبيرة منها ضمن المؤن لرحلاته البحرية الطويلة، فلم يكن يقاوم رائحة الثمرة حين تنضح ويتحول لونها إلى الأصفر الذهبي الفاتح مع قليل من الاحمرار في جزئها العلوي، ويغدو لحمها بلون الزعفران، ليرش الكركم على نسيجها قبل التهامها، ومع شيء من الخيال ربما رش أيضاً الزنجبيل أو القرفة أو الملح...

سميت الثمرة باسمه بعد أن أمر بكثرة زراعتها، فأثر على اقتصاد بلده والمستعمرة بشكل جيد بعد تقدير الأسواق لمذاقها ورائحتها ولونها النابض بالحياة. أما اليوم وبعد 5 قرون تصلنا مانجو ألفونسو ما نسبتها الـ60% لأسواقنا، بسبب الطلب الكبير من قبل طهاة الحلوى في فنادق الإمارات كافة ليبقى المحرك في جودتها العالية ولحمها «الكريمي».

ذكرني هذا البحث أيضاً ببدايات غزو ألفونسو لخليجنا وقبل غضب الملك عليه ونفيه بعد شكوى القباطنة ضده... كان يطلب عشرات الصناديق من «همبا» الهند كما نقول في لهجتنا، ليصل الشحن بعد أسبوعين عبر المحيط الهندي فمضيق هرمز، وباعتقادي كانت الثمرة تُحمل في تلك الصناديق خضراء اللون، أو بين الاخضرار والاصفرار كي تنضج أثناء الوصول إلى الخليج.

تفوقت ثمرة ألفونسو على جميع سلالات المانجو وفروعها، حيث يشهد تاريخ المزارعين بأن البوكيركي أمر بتوسيع أشجار المانجو عن طريق تطعيمها لإنتاج أصناف شبيهة، وحرص على أن يكون النوى دقيقاً ورقيقاً ليصبح الأغنى في نكهته وحلاوته، والأغلى سعراً ونوعاً... فشل هذا المزج والمعالجة مع لب ثمرة ألفونسو في مناطق أخرى داخلية في الهند ليبقى حضور ثمرة ألفونسو أقوى جودة، ولسر لا يعرفه الكثيرون وهو أن مزارع مانجو ألفونسو تبعد 20 كم فقط من شاطئ المحيط الهندي، وهنا تبرز نية الأرض وضمير المناخ الرائع على الشطآن لا المتقلب كما في داخل الهند.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات