شاعر لم يعاتب امرأة

منزل الخضر، الشاعر الكبير الملقب بـ (سيد الشعراء) راشد بن سالم السويدي في عجمان يسكنه اليوم عمال، ولم نفكر يوماً أن نصنع له ذاكرة ملموسة ونحوّل منزله إلى متحف صغير لعرض صوره أو ما يشهد على وجوده المادي، ومحاكاة العاطفة الجمالية الواسعة لشعره، كتسجيل أشعاره صوتاً تذاع بمهارة وذوق للتأثير على مسامع زواره، والاشتغال بفنية وحرفية على روحه الشاعرة وشخصيته البسيطة من خلال أغراضه القليلة العائدة إلى فترته الاجتماعية السالفة، وعرضه على الناس من جديد.

متحفٌ صغير لا من أجل الربح فقط، بل لخدمة المجتمع وجعل الجمهور متواصلاً، وهذا الأمر فعلته كل دول العالم ومنذ القرن العشرين بتحويل منازل صغيرة ومتواضعة لرسامين وشعراء وكُتاب وموسيقيين إلى متاحف لأسباب تتعلق بذاكرة المبدع وهوية المكان وإنتاجه الخاص لدعم السياحة الأدبية في وطنه.

المنزل المتحف أو المنزل الذاكرة مهما اختلفت المسميات رمز للأصالة والوفاء، وإضافة للوطن وتراثه، فالشاعر كلمة وما لديه من قصائد ثروة كفيلة بأن تُسجل وتُدوّن وتُحقق وتُعرض بعشرات الطرق.

أما راشد الخضر المولود عام 1905م، الذي كتب الغزل والوطن والوصف والمدح والغنائيات بأنواعها والرثاء والحكمة والفخر، وتمكن من الألغاز والحسابات... مستخدماً كل أغراض الشعر بالفصيح والنبطي، متميزاً عن شعراء النبط في الخليج.

راشد الخضر الذي أغرم يوماً بعلياء الصغيرة رفيقة طفولته في التجويد والتلاوة، وحزنه على فراقها حين كبرت لتمكث في بيتها لم يجدها ليكتب أجمل أبياته عن وجودها يوماً بقربها. راشد الخضر الذي اشتهر بأبياته العميقة واستخدامه الجناس في المفردات بشكل عبقري لا ينسى، كالسفرجل التي غناها رائد الأغنية الكويتية عبد المحسن المهنا:

خِدَلّج خَدك اللي كالسـفرجل سِفر بدر وسِفر شمسُ وسفرجل

تفضل بنعبـر عَـبرة سهالـــه بميـل بالغلـس قبـل الـسفر جـــل

أجمل الشعراء راشد الخضر لم يعاتب أبداً المرأة في شعره كما يفعل الشعراء من خلال اعتمادهم على فكرة الشجن والعتاب والملامة والتأنيب... فهل لنا أن نتصور جمال حسه الشعري المتفرد في الصفح والمغفرة، وكأنه على يقين بأن الشعر لغة حُرة. أمرٌ حسي لا منطقي، فكانت قصائده عاشقة لا عاقلة. منسجمة لا واعية.

المتتبع لمسيرة شعراء النبط، فإن الإمارات شهدت ثلاثة شعراء كبار ومن قبيلة واحدة وهي السويدي، وأتوا في قرن واحد، وهم: «سيد الشعراء» راشد بن سالم السويدي المشهور بالخضر، و«فتاة العرب» عوشة بنت خليفة السويدي التي نتمنى تحويل مجلسها إلى ذاكرة، و«شاعر الوطن» جمعة الغويص السويدي الذي ما زال شاباً وحاضراً.

يبقى ترميم منازل هؤلاء وتحويلها لمتحف مسألة تخص الذاكرة الثقافية للمجتمع وترويض شيء من الذاكرة الاجتماعية، وإنعاش الخريطة الإنسانية التي لا يمكن محوها، وأطروحة دراسية جامعية ممتدة من أبسط أغراضه إذا التزم المتحف المنزل بمعايير المتاحف في العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات