لقمة القاضي

قبل انهيار الدولة العباسية أمام التتار بربع قرن، تنبّه محمد بن حسن البغدادي، وهو كبير طهاة الخليفة العباسي، لأهمية ثقافة الطعام وحمايته من الضياع، فهو تراث يعكس الذوق العربي بجوانبه البارزة في المجتمعات حينها إذا لم يتم تدوينه، وكما يبدو أن الطاهي احترم ثقافة أسلافه وتقاليد عصره، ونحن نعلم اليوم أن لا شيء يوضح ذوق الفرد وتربيته مثل معرفة طريقة الطهي الذي هو لا يمكن أن يكون بمعزل عن تراكمه المعرفي، فالغذاء يسير جنباً إلى جنب مع الهدف المتمثل في إثراء الثقافة.

كَتَبَ الطباخ البغدادي كل أنواع الطهي العربي وحتى بعض الدخيل منه في مخطوط أسماه «كتاب الطبيخ» وأنهاه عام 1226م، أي في زمن الخليفة (المستنصر بالله)، وحسب الحساب انهارت الدولة بعده بـ 33 عاماً، وحين تنهار دولة تتفكك الموروثات، وتضيع وكأنها لم تكن إن لم تُدون، فلا بقاء حينها لثرثرة أو خطابات شفهية.

ما يهمنا اليوم من مخطوط البغدادي احتواؤه على فصول تحمل أنواعاً شهية من التفاصيل والنكهات العربية ما لا يخطر على البال، بمقاديرها وطريقة تحضير كل نوع بلغة راقية وسهلة التعليمات خطوة خطوة، كما أنه أشبه بكتب الطب والصحة وكتب الأدب لما في مقدمته من اهتمام خاص بالنظافة الفائقة وأدب الغذاء.

ثقافة الغذاء لدى العرب قبل 800 عام تلفت الانتباه، خاصة في فصل الهرائس، من ضمنها الهريس والعرسية، والتي هي من صميم أكلاتنا في جزيرة العرب، مروراً بـ«اللقيمات» المعنونة بـ«لقمة القاضي»، وكيف تلقى في القدر بِقَدرِ البندقة، و«الشيرج» أي الشيرة، وحلواء يابسة والقطايف بأنواعها ومجدرة ومهلبية ومكشوفة وصابونية ومكفن وبرد والأقراص المكللة وحيس التمر، و«السنبوسج» المثلث والمطجنات بأنواعها والخبيص...

المتتبع لسيرة المخطوط «كتاب الطبيخ» أنه تم العثور عليه بعد أكثر من قرنين من تاريخه المكتوب في مكتبة مسجد آيا صوفيا، ليترجمه العثمانيون كما هو وبعنوان: «كتاب وصفي آيتم معتاد» أي (كتاب وصف الأطعمة المعتادة)، فيقول عنه مؤرّخ الغذاء الأمريكي تشارلز بيري الذي وضع مقدمته: «ترجم العثمانيون كتاب الطهي العربي هذا فأصبح المفضل لهم ولمدة قرون».

هذا المخطوط المعرفي الثمين القابع اليوم في مكتبة «السليمانية» في إسطنبول بنسخته الأصلية، كُتبه البغدادي في العصور الوسطى حين عَدَّ الأوروبيون الحديث عن الطعام نوعاً من الشره، بينما هو لدى العرب والعباسيين ثقافة واطلاع، كما يفعل الأوروبيون اليوم.

من الجميل أن نستعيد اليوم ثقافة الطعام كهوية ليست بمعزل عن الثقافات الأخرى، وخاصةً أن الدولة العباسية حينها كانت تشملنا جميعاً فما زالت آثارها في جميرا بدبي حاضرة تكشف مدى توسع ازدهار تجارتها وموانئها، ولستُ هنا في صدد تحديد أصل هذه الأطعمة كتوجه مرسوم كما يتصور البعض، فالأطعمة كالبشر دائمة الهجرة، ولدينا من الدخيل الكثير، لكن تبقى عملية البحث من الأنشطة الإنسانية الإبداعية التي تعكس ثقافة المجتمع ووعيه في أصل ما يمارس.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات