فن العيش في البحرين

في رحلة مميزة إلى مملكة البحرين وبدعوة من معرض «فن البحرين عبر الحدود»، كان لنا برنامج جميل وخاص أغلب محطاته المختارة لنا معرفية تاريخية وإبداعية.. منها المرور على طريق اللؤلؤ للوقوف - استماعاً - على فترة من الازدهار الطبيعي للؤلؤ عاشتها منطقة الخليج من آلاف السنين إلى أوائل القرن العشرين بسبب صيد المحار، وعن مدى التراجع المفجع بعد زراعة اليابان هذا المحار بدل صيده لتصدره إلى العالم بكميات صناعية.. ذلك التراجع الذي أدى إلى تقهقر حزين للدر في مياه الخليج بعد حضارة تجارية بعيدة.

ولطالما زرنا المبنى المعاصر الذي تم تصميمه حديثاً تعريفاً بالمغاص القديم، لكن ما يعزينا تجوالنا في المبنى القديم الذي تم ترميمه بشكل عميق، ثم شرحهم لنا طُرُق الاستغلال التقليدي للبحر وموارده من الآباء فيما مضى، وكيفية تفاعلهم مع بيئتهم وتحويلها إلى صناعة.. هذا الموقع المهم في المحرق يتجلى اليوم في مواقع التراث العالمي (اليونسكو) ومنذ أكثر من سبع سنوات، والأجمل هو إكمالنا الطريق إلى خلف الموقع واكتشافنا فضاء آخر للمكان، ولحن قديم لزمن أخذ يستقبلنا ليختبرنا من خلال مقهى أثري يبيع كعكاً عصرياً.

ومن زمن جميل لؤلؤي مضيء، غادرنا المحرق إلى فندق صغير ومميز لرجل أعمال بريطاني يدعى «جوردان كامبل جراي» محب للفنون ويصنع مذاقاً خاصاً في الأطعمة، ويعشق كتب التصاميم والتشكيل الفني.. لنلاحظ تلك الخصوصية التي يصطبغ بها من مدخل فندقه الذي لا يشبه أي ركن أية زاوية أخرى، سواء من حيث اللوحات التي تدعو إلى التأمل إلى تذوقه الحسي للألوان وطاقتها، إلى أن منح المكان بُعداً سريالياً مع الزجاج والإسمنت والكتب والزرع.. يتحدث لنا بمحبة وثقة هائلة، كيف أنه بنى مثل هذا الفندق أيضاً في أمكنة أخرى من العالم يعشق أهلها، فهو يستمتع بعمله ويصنع فن العيش ويطيب له العمل أكثر بين الناس الطيبة والمتذوقة، فاختار المنامة وجزيرة مالطا وعمّان وبيروت.. ويؤكد بأنه يتفرد بتصميم كل فندق من فنادقه، بحيث لا تشبه فنادقه بعضها البعض، ولا أية غرفة الأخرى.

كنا نصغي إليه وهو يتحدث عن فن الحياة وفن العيش وفن العمل.. وبأسلوب سهل الاختيار وبعيداً عن العلامات التجارية المكررة في سلسلة من الفنادق المتشابهة حول هذا العالم، ويمنح ظهره لهؤلاء من خلال التصميمات الداخلية لفنادقه بواجهاتها، من أجل أن تأخذ الهوية فرادتها، فالهوية إنسان ووطن وذوق وفلسفة.. ولا بد من تذوق الدور الثقافي للفنادق، وإيصال هوية المكان وتاريخه مع إضفاء كل هذه السهولة في الحياة وما يقدمونه لنا من فن العيش الراقي.. وأخيراً تبقى التجارة تجارة منذ اللآلئ إلى الفنادق، لكن المال ليس للعيش فقط، بل فن العيش بين السعة والثقافة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات