في مواجهة سطور الكتاب

ثمة في سطور الكتب ما يشي بصعود المفهوم وتطور الدلالة ورقي المعنى.. تؤدي بنا إلى الامتناع عن الثرثرة وإيقاعنا في شباك الهدوء. سطور بأشكالها التعبيرية تحرك القلب والعقل لتوقفنا عن الكلام وهي تنشأ في الفقرة كالجمرة تضيء فجأة معنى العلاقة الروحية بيننا وبين الصمت، والانصراف عن المساحات المشحونة، وما تحملها من توتر لنا.

سطور ساحرة لها قدرة وقف سباقنا المحموم والكف عن الهرولة من نقطة إلى أخرى في تكوينها الثانوي.. سطور تصل بنا مرحلة العزلة بطيب خاطر، وما نلتقطه فينا من إيقاعات بإشارات تأمر بمحبة أن نضع الطموحات والمخاوف لحظتها جانباً قبل أن نغلق الكتاب والأوراق على تلك الفقرة المحفورة بشكل صحيح، تأمرنا أن نعطف على ثنايا التعبير الوجودي، وجودنا ونحن نركن إلى حقيقة خالصة.

ما تلك الصدفة التي رمتنا في صفحات كتب منتمية ولا منتمية يا ترى؟ تتحدث معنا فنتحدث معها، تضج بنا في مشهد قرائي نقي تشهد توالد أفكارنا تلقائياً تعمد تحاورنا مع بعضنا البعض، ومع المؤلف وما طرح.. كي نصل إلى مرسى الخلاص، فأين كان يكمن هذا الخلاص؟ بل أين كنت أيها الكتاب وأنت تمحي الغث بتفجيرك لغة من لا لغة له؟

الكتاب واقع وموجود، مادي ومحسوس، ورق وجلد وفكر.. فمن جهة هو نموذج في الحياة لا يمكن إغفاله، ومن جهة أخرى مجازفة لمن يرمي نفسه في كتاب جيد، ولعل مأساتنا نحن القرّاء تكمن في اختيارنا الكتب الضعيفة أو الزائلة، لكن لا وقت، فالحياة قصيرة جداً ولا أمل لنا سوى بالذهاب إلى الكتب ذات التجربة الإبداعية الخالصة التي تمضي بنا إلى روح الزمن، الكون، ثم تهبط بنا الأرض كي نضيع في السهوب والوديان.. ويصبح الكتاب حينها سيداً يسود فينا ويأخذنا إلى الحياة من أجل الإحساس بالانتماء إلى الأرض الإنسانية.

قراءتك للكتاب تحدٍ، فلا نشك بالأسئلة المنبعثة منه كل حين، يتحدانا ونتحداه في أن يسلط لنا الضوء على الجوهر وما كان وأخفى، ويمضي ليروي لنا ما نقوله أو لا نقوله في مواقف معينة، وأننا نتمتع بقدرات استثنائية دون أن نتوهم، ومن هنا يستحق السيد الكتاب أن نتمتمه وبصدق، لأنه يعرفنا بأنفسنا وبذاتنا، من نحن؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟

نغيب حينها عن إجابة معتادة، وربما سيعطينا الكتاب اقتراحاً حول الأكثر أو الأقل أهمية للقيام به، ونرحل إلى اختبار ذواتنا بجدية المخاطرة، وكأن الكتاب أحياناً خصم وسيد معاً، فيا له من كتاب حقيقي لا يمكن أن يوضع جانباً، ويا لها من سعادة استثمارية ناجحة وبشهادة الوجود ومنذ السطور الأولى، وتصبح القراءةُ تحدياً ومنازلة ومواجهة وتوغلاً... وليست خلاصاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات