في تحدي الهواء

قرأت أنه منذ حوالي عام 4000 ق.م أي قبل 6000 سنة من الآن بدأت الرياح الموسمية للمحيط الهندي بالتحرك جنوباً إلى موقعها الحالي مما أدى إلى انخفاض معدل هطول الأمطار في سواحل الخليج، فكان الانقلاب الهوائي ومن الممكن ملاحظة نتائج هذا التغيير المناخي اليوم في الطبقات الرملية المتبقية في بحيرة عوافي الأثرية برأس الخيمة.

كانت محنة بلا شك لسكان الخليج حينها هذا الانخفاض في معدل الأمطار وصعوبة العيش وتلك الظروف المناخية الجديدة، وما ألحقتها من مجاعة تعرضوا لها في بعض الأحيان، هذا بعد أن تم العثور على أدلة في جزيرة «الأكعاب» بإمارة أم القيوين، هذه الجزيرة النادرة في أمطارها ونباتاتها والجافة بعد أن فرضت عليها الرياح الموسمية نظامها المتعب آنذاك.

وللمتتبع هناك دلائل على أن الناس حينها أثبتوا التضامن الاجتماعي في ظل تلك الظروف، بعد أن وجد علماء الآثار من طقوس خاصة يتم فيها تقاسم الغذاء مع مجموعات سكانية مختلفة، وأمام تلك الرياح بتصنيفاتها المزاجية التي غيرت حتى نظام مراكبهم بين الانطلاق والانتظار الطويل، ظلوا على ثقة بأنهم سيتجاوزون ذلك بالتكاتف معاً، وإن لم نستبعد أن منهم قد هاجر لعدم قدرته على التكيف مع تلك الطاقة الهوائية المتغيرة والمبتذلة في مزاجها.

تشتت الإنسان طويلاً مع ما أصابه من تبدد في الرزق بسبب الرياح المفاجئة، فلا بد أنه فكر كثيراً كيف يوقفها عند حدها وهي كالأشباح غير المرئية حيث لا مصدر لهبوطها، فالمصادر الأخرى لها أصل سواء الماء أو النار أو التراب، أما الهواء فلا تأكيد حتى الآن حول أصله بالرغم من أنه أهم من المصادر الثلاثة الأخرى لكوننا نستنشقه كل ثانية.

واليوم ما زلنا نعيش الجفاف على سواحل الخليج من ذلك التأثير البعيد للرياح الموسمية، ونحن في كنف مدننا العصرية والرائدة في تصميماتها الحضارية والجديدة، مع أننا نجحنا في التحكم بإنتاجنا مياهاً حلوة من بحرنا المالح بالاستفادة من الطاقة الشمسية النظيفة وتحلية مياهه وباستخدام أحدث تقنيات التناضح العكسي، ثم تخزين الفائض من الإنتاج في أحواض المياه الجوفية واسترجاعها وإعادة ضخها إلى شبكة المياه عند الحاجة.

وهذا كفيل بقدرة مدننا المعاصرة جداً والمتصحرة السيطرة على ترابها لتصبح زراعية، بل ويدعو للتفكير بأننا سوف نتحكم بالهواء يوماً بعد كل هذا الإنجاز.. نقول ذلك ليس من باب حُلم يقظ، بل ثقة بمدننا التي تحب الأفكار الجديدة، وبالتالي التحديات الجديدة، سوف تدير الرياح يوماً من أجل متنزهات مورقة تقاوم حرارة شمسنا ومن فوق ناطحات السحاب المستدامة مستقبلاً، لتشهد على تحدي الهواء الساخن بزيادة الحدائق التي تمزق الإسفلت وتستبدله بالطين من أجل احتفاظ الأرض بالماء، وتفرق العواصف المزاجية، ونصبح من أصحاب المدن التجريبية الحقيقية لتحدي القادم لنا... كل ذلك كفيل في تغطيتنا باللون الأخضر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات