آداب قريبة عن جزر بعيدة

لا يجد الكاتب أجمل من الجزيرة البعيدة ليصنع كتابه المتخيل، لأنها أجمل ذريعة لخلق مجتمعه القصصي، فالجزر أشبه بكينونة توحي بالبيت الخاص، وبوصفها رحلة من حلم إلى مكتبة مفتوحة على أراضٍ ساحرة ومحدودة وفاضلة وهي البعيدة عن كوكب المدن المتلألئة، لتأتي للسارد كمغامرة أدبية مثيرة للفضول. تضيء له مناطق الظل التي يخفي فيها الجميع أسرارهم، خاصة للهاربين من الواقع، فلا شعور بالأمان والاسترخاء سوى في جزيرة صغيرة ومستورة رغم كشفها على الأفق.

منذ أن استدلّ «جلجامش» بالزهرة الخالدة في جزيرة دلمون كما أتى في ملحمته، ومنذ «الأوديسة» لـ«هوميروس» التي تحتوي على العديد من المغامرات والأسفار في جزر البحر المتوسط لأسماء بين الحقيقة والخيال، إلى ابن طفيل في القرن 12 الميلادي ونشأته المتخيلة في جزيرة بعيدة من خلال روايته حيّ بن يقظان، وعلاقته بالطبيعة والكون بمضامين خاصة وفلسفية صاغها لفكر الإنسان، إلى «شكسبير» الذي كان دائماً يرمينا في المنفى، حيث جزيرة من الجزر العارية من الشجر والخالية من الهدايا السحرية، مستحضراً لنا عاصفة تسعى للانتقام، وكأنه يدربنا على المواجهة، إلى النجاح الهائل في أدب الإنجليزي «دانييل ديفو» وبطله «روبنسون كروز» بالناس الذين غرقوا في جزيرة نائية، لتصبح حتى يومنا هذا جزءاً من التجديف والإبحار الذهني.

هذه العناصر البحثية مجتمعة أعطت للجزر المكانة المميزة في الأدب الشعري والقصصي، ولا يكفّ المؤلف ولا يملّ في مد يده للجزر الرمزية حتى أصبحت اليوم مجازفة جمالية ورؤيوية تحتاج إلى موهبة وشجاعة من الأديب كي يطرحها بنجاح بين السرد والغناء والأسئلة لظاهرة وجودنا وأحوالنا وعلاقتنا الوثيقة بالأماكن وروائحها وأصواتها وحتى أطيافها، لتصبح الجزر من أكثر النماذج الإبداعية المكانية لروح العلاقة بيننا وأوطاننا.

يبحث المؤلف عادة عن الجزر الغامضة والغريبة ليساعد القارئ على الفهم من خلالها كيف يتحكم الإنسان في المكان بجشع من خلال شخصيات مشبوهة تحب السيطرة، وهنا نتذكر جزيرة الكنز والبَحار بساق واحدة والببغاوات والكنز المدفون.. إلى آخر الجزر التي تم وضعها في الأدب، فالجزيرة عند السارد الشجاع ذريعة ليشحنك بالأبطال أولاً وشخصيات مختلفة حوله لمواقف مختلفة ليتعين عليهم التعامل مع طبيعة المكان والسلوك المتطور ومواجهة النفس.

تبقى الجزر حلماً من أحلام الطفولة الثمينة وبيئة مثالية لأحلام الحرية والمساواة، ومجتمعاً بلا ملكية خاصة، مع البحث عن خريطة وكنز في غموض بريء... حتى أصبحت تدرس في المدارس على نطاق واسع.. ليلعب موطن الجزر دوراً هاماً في الأدب، كأرض مثالية للخيال، وبعيداً عن العالم القاسي، فليست كالجزر في طبيعتها الواضحة والرحيمة في عزلتها.. تكشف لنا طمع الإنسان وفشله ثقافياً وإنسانياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات