المستطيل

ورث الشاعر أحمد العسم منزل أمه وأبيه القديم، بفنائه الداخلي المستطيل، ليتناهى مع ذاكرته التي تغص بشذا رائحة شجرة اللوزة التي زرعتها والدته أمام الباب، ويحول الدار الحنونة المتصلة بوتر الشوق إلى زاوية خاصة لاستقبال ضيوفه من الأدباء والأصدقاء. بعد أن ملأ غرفها الثلاث بالكتب، ونثر على جدرانها صوراً طبعها بنفسه لأدباء الإمارات الأحياء منهم والأموات.

يمضي المكان بخصوصيةٍ ملونة وأنت تجلس بين كل هذه الأرواح من وجوه ورقية دون أن تضيع في مقاييس محبة أحمد العسم لهؤلاء من باحثين وموسيقيين ورسامين ومؤرخين... فعادة الأدباء يختلفون بين بعضهم البعض فكراً ورؤى، إلا هذا الشاعر الذي بدا موافقاً ومتوافقاً مع الجميع، وكأنها نظرية منسية: «إن اختلفنا فإننا أبناء وطن واحد ومصير مشترك».

المستطيل بيتٌ تأتيه من الشارع العام، وفي أول نقطة استقبال مدينة رأس الخيمة العريقة للقادمين إليها من ناحية الغرب، تدخل يميناً في يمين لتستقبلك سكة طينية ضيقة، فترى من بعيد لوزة والدته الخضراء، حينها يستقبلك زمن أخضر ومن دون اقتراح مواعيد زائفة، وكأن المستطيل بيت الجميع.

من عادة الأدباء البحث عن خلوة المكان،غايتهم الوصول في تلك العزلة إلى كينونتهم، بعد إطلاق مصارحة محبوسة مع النفس، أو غوص حر مع فكرة، بكاءٌ بلا سبب، ضحك هستيري وهو يُشيّع اسمه في ثنايا مسافات عمره التي خاضها دون بريق، أو يتحدث بانشراح مع نفسه متذكراً ما حرك روحه يوماً... وهكذا حتى يحين موعد الكتابة والإبداع... هي نوبات وقتية وشاردة تلحقها لحظات جامحة يفجر بعدها لغته وهو في أرض من فضاء.

شاعرنا أحمد العسم صاحب المستطيل هو من أرض لها صوت، هي أرض جلفار التي عاش فيها قبله بقرون، شاعر نرجسي عظيم تصدر مشهد حب الذات، المايدي بن ظاهر، والمدفون في «الخران»، منطقة اختباره، برميه صوفاً أو قطعة لحم، ليتضح له بأنها الأرض الأنسب لدفن جسده عن غيرها من الأراضي المجاورة، فهنا لا يتآكل العظم بعد الموت، لتبقى الفكرة سرمدية نرجسية أبدية لدى كل شاعر.

في المستطيل يفسر الشاعر أحمد العسم، أنه لم يقطع اللوزة العجوز، كي تبقى نموذجاً لروح العلاقة الوثيقة بين لغة الشاعر ورائحة الوطن. في المستطيل يعلق العسم وجوه الأصدقاء معللاً حضور الأرواح في المكان وإن لم يأتوا، متصدياً لقسوة النسيان، مع كتابات مطبوعة علقها بين الصور، يقول: «ما من فكرة في السكون أخف من الانزلاق»، وعبارة أخرى: «لا أدري كلما اختلفنا نَسفَ الأصدقاء عشرة العمر»، وأخرى: «الموت لا يخيف، بل الجزع على من حولك الذين لأجلك يتألمون».

ترك الشاعر جوهر ما لديه للراحلين ومن بقي، وحين تودعه وتودع رأس الخيمة تتوارد اللغة بينك وبين من ودعتهم على الجدران المصورة، واللوزة، والكتب، وموهبة فياضة متصلة بالحياة والزوال لشاعر المستطيل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات