نتيجة البحث عن الزمن المفقود - البيان

نتيجة البحث عن الزمن المفقود

كانت في السابعة عشرة من عمرها حين أصدرت روايتها التي تشبه ظروف صباها، ورغم أنها كتبتها خلال ستة أسابيع، فإن ما روته في مئة صفحة استحق ليتحول إلى فيلم سينمائي.

لغة الأرقام التي بدأتُ بها ليست فاتنة بالطبع، لكون هذا النوع من الروايات يتكرر في كل عقد زمني، ومع كل جيل يعبر عن نفسه أدباً، وهذا من حقه، فليس كل ما نكتبه يجب أن يتحول إلى نظريات فلسفية كبرى، لكن هذه المراهقة أخفت مخطوطتها وسلمتها للدار وبشكل سري، بلا شك إنها كانت خائفة وشجاعة في الوقت ذاته، لثقتها فطرياً بقلمها، لكنه الشعور المختلط والمضطرب من سنوات عمرها القليل بوصفها كاتبة، الأمر الذي أيقظ عيون النقاد دهشةً وفرحاً، ويتم البحث عنها وعن عنوانها ورقم هاتفها، فهل يعقل أنها في السابعة عشرة من عمرها.

الروائية وإن كانت قاصراً، كتبت سرداً واعياً ومستحقاً، ولربما كتبتها في فترة من الوعي المعروف بـ (اللا إرادي)، فلم يتم إدخال روايتها الصغيرة ضمن نطاق التوزيع التجاري، فكل ما احتاجت روايتها تغيير النهاية لجعلها من الناحية الفنية أكثر غموضاً.

في ذلك الصيف الذي تم العثور عليها، بعد أن أخفت عنوان منزلها تحيراً من رأي أسرتها، تم إطلاق الرواية بمحبة لابنتهم المكتشفة والموهوبة، وبكمية لا بأس بها وصلت عشرين ألف نسخة، كتجربة يقيس فيها النقاد رأي القراء لطفلة وواعية في الوقت ذاته، فأعجب القارئ بالرواية، وتأخذ في زيادة الطبع إلى مليوني نسخة.

كانت الرواية عن الشباب وهمومهم وأفكارهم وجمالياتهم وعن الوقت الضائع، وتجربة تحمل عبارات ناضجة مثل: «يتملكني الضجر والعذوبة، إنه الحزن، لكنه يبدو لي دائماً أمراً جديراً بالاحترام»، وهكذا أصبحت ضمن أدب الكبار وأدب الأطفال، أي من هم في سن المدرسة الثانوية والجامعات. ورغم انتقاد بعض الأسر المحافظة لكنها انتشرت ودخلت في قائمة أكثر مئة رواية مطبوعة خلال قرن.

«صباح الخير أيها الحزن» رواية صغيرة الحجم للروائية الفرنسية الشابة «فرانسواز ساغان» والصادرة عام 1954م، كانت حديث الدنيا آنذاك، رغم سردها الفطري وهي تناقش حياتها وكأنها تناقش حياة جيل كامل، من خلال حادثة وقعت في ليلة واحدة، أما حين سألتها الصحافة بعد الإصدار بمن تأثرت من المؤلفين، فلم يكن سوى الكاتب مارسيل بروست.

توقفتُ عند إجابتها، أي جزء قرأت لبروست يا ترى من روايته الطويلة جداً «البحث عن الزمن المفقود»، التي طبعت في مجلدات، لا بد أنها الطبعات المختصرة الخاصة للمدارس والجامعات.. لم لا؟ ومعظم الذين حازوا جائزة نوبل صرحوا بأنهم متأثرون ببروست.

وهنا النقطة التي تؤخذ على المواهب الشابة لدينا، والمبكرة تعبيراً وتأليفاً في حقل الأدب الإنساني، لأنهم يكتبون ولا يقرأون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات