كيف كانت؟

البريطاني «نيك كوكرين - دايت»، كان ضيفاً قبل أيام في مركز جمال بن حويرب للدراسات، الكائن بمنطقة جميرا، تحدث بشكل جميل ومبتسم عن ستينيات القرن الفائت، وعن أيامه الأولى التي عاشها طفلاً في مدينة العين، ومنطقة «مِزْيِدْ» في الجنوب الشرقي لمدينة، وبكل مقاييس الذاكرة الأولى ذات الأبجدية الخاصة، كانت لنا وقفة مع قدرته على استعادة تجاربه بعد نصف قرن، تلك الحقبة التي أخذت تغيب في رياح الذاكرة، وإن حدّقنا بملء عينينا صور الأجداد غير الملونة، وإن قرأنا بين السطور المدونة، فقد جف فوق غلاف القلب ما جف، فكيف كانت الحياة؟

يبدأ السيد «نيك» بالتذكر، كيف كانت المياه الجوفية أكثر من الآن، وكيف كانت بين أيادي الآباء كالذهب السائل، مُقَدّراً ومُثَمّناً كالنبع المتفجر وسط الرمال، قالها كحكاية أزلية، وكيف كانت الحياة في الستينيات بمدينة العين في ذاكرته، عن الفرد الذي لا يكفي أن يقود سيارته، بل أن يكون على دراية كاملة بآلتها الداخلية المعقدة، وكيفية إصلاحها؟

وكيف كانت الحياة والناس تشتري احتياجاتها الرئيسة فحسب، حيث لا كماليات، بل ضرورة الضروريات، وكيف كانت الحياة وبعض أصحاب الدكاكين يعاملون المشتري كالضيف، يستضيفونه بما لديهم، وإن كان ماء؟ كيف كانت الحياة والملاريا تنهش نور العين، وكيف وكيف؟

ومن زمن لا شيء يوقفه، نتأمل فيه بعضاً من البشاشة، ليكمل «نيك كوكرين - دايت»، الحائز على رتبة الإمبراطورية البريطانية، كيف كانت الحياة خلف تلك الكثبان الرملية غير المحددة، وأثناء سباق يفتح أحدهم نار بندقيته طلقاً في الهواء، لتجري الجِمال من مكان محدد إلى مكان غير محدد، ويلم الفوضى بهجة الجميع... وكيف كان الترفيه مؤقتاً، مقابل حياة متماسكة؟ وكيف كان الناس لا يحبون الخروج بعد أن تعتم السماء، سوى لأحبتهم من جيران وأقرباء وعائلات.

وبين الصعوبة والبهجة، نفخر اليوم بأننا انتهينا من الملاريا، وإلى الأبد، ومنذ عام 2004م، لنتأمل الآن كيف ابتلينا بمرض السكري، الذي لم يكن له وجود في زمن الأجداد بصحتهم الرائعة، لاضطرارهم المشي نحو مسافات طويلة، وهكذا حتى دخل «نيك» إلى محاور اللغة، ونُطق الناس لكلمة «بيب»، وهو وعاء الصفيح أو التنك، وأصل حروفه المختصرة لشركة نفط (بي إي بي)، وكذلك «برميل» القادمة حروفها من شركة زيت (بي إي آر).

ومع ذاكرة بلا نهاية، نتأمل نحن ماضينا بنظرةِ مغتربٍ أجنبي استقر بيننا، ونتأمل كذلك نظرة الآباء إلى ما مضى، لنستعرض نظرة جيلنا إلى ماضٍ لم يعشه، وهو ما يلخص السيرة الذاتية التي تأخذ طريق الذاكرة للولوج في دراسة بحثية قبل أن تتلاشى.

 

تعليقات

تعليقات