عصبية الأبجديات - البيان

عصبية الأبجديات

انشغل الإنسان طويلاً باللغات القديمة واللغات الأولى، وما زال على خلاف ما أصل اللغات؟ بالطبع لا يوجد دليل قاطع حتى الآن، لكن تبقى مجمل اللغات من مدرسة واحدة، خاصة إن ربطنا الأقدم بالأحدث، وفي ذلك نأخذ الشرق مثالاً في لغته الكنعانية مع اللغة العربية، كمساويةٍ لها أو شبيهة، ومن خلال نقوش اكتشفت في حوض البحر المتوسط، من الجميل قراءتها، فهي من جهة مرآة لطبيعتنا، ومن جهة أخرى تحقيق ودليل إنساني يزيل الحدود عن واقعنا.

في مدينة «نورا» في جزيرة سردينيا، ثاني أكبر جزر البحر المتوسط، وكما ينطقها الطليان «نوورو»، وجدوا نقشاً يعود إلى القرن السابع ق.م، كُتبَ عليه رسالة تهدئة وتأييد باللغة الكنعانية نقشتها وأرسلتها مدينة صور إلى سردينيا، وفيه ما يلي: (بيت راس سنجير راسها بسردينا سلامها سلام صور، وصور أم مملكة نورا، ننسب ونجير) أي بيت راس، وهي مدينة صور، سَنُجِيرُ رأسها بِسردينا، فسلامُ سردينيا هو سلام صور، حيث النسب والإجارة.

لنلاحظ أن اللغة الكنعانية تُصرف الأفعال فيها كما تصرف اللغة العربية الفصحى، وبالتالي العدنانية.

وقد لفت الدكتور بهجت القيسي النظر إلى شاهد قبر موجود في جزر البليار بين إسبانيا وإيطاليا، كُتب على الشاهد باللغة الكنعانية ما يلي:

(لأذن لأودسك ملاقاريت حاط ندب أطار بر النعوة رانَ برجد بت طاب نحام) أي لِأذن لِقُدسك ملك القرية، فَمَكّنْ هذا الذي في القبر، لقد أحاطَ ونَدبَ وأطارَ، أما بر النعوة فهو اسم الكاهن المسؤول عن الدفن، قد قُبِرتْ برجد بنت طاب نحال، وهو اسم المتوفاة، ورانَ هنا فعل ماضٍ باللغة الكنعانية، ويعني القبر. قال الله تعالى في القرآن الكريم: «كلا بل رانَ على قلوبهم» أي قبرٌ وسِترٌ على قلوبهم.

مروراً ببت، التي تعني بنت، وما زال أهل مصر يقولون بت، وكذلك في منطقة رؤوس الجبال بين سلطنة عمان ودولة الإمارات يقولون بِتْ مَنْ، أي ابنة مَن.

نذهبُ لنقش كنعاني آخر على شاهد قبر يقول:

(فعل وندر وحصد ذنبه، شده ينه)، أي فَعلَ ونَدرَ وحَصَدَ ذنبه، فشده إليك، (ويسعد جوارك، منك نعجز وبهواك لدرك صن)، أي منكَ نعجز، أما الدرك فهو الأسفل. (لك بت أبدت)، أي لكَ بنتٌ ماتت أو أبيدت. (والجدة نجعل)، وهنا أل التعريف في الكنعانية دائمة الورود. (وينجو وجوباً تم)، أي أتم واجباته الدينية.

والحقيقة أن معظم اللغات القديمة تتقارب وتتداخل فيما بينها، كما نلاحظ هنا الكنعانية كيف تضارع العربية، ليبقى هذا الخط الكنعاني موجوداً على النقوش الممتدة من 1200 ق.م حتى القرن الأول الميلادي تقريباً، ثم تطور بشكله إلى الخط الآرامي وخط الحضر والخط النبطي.. ولنعلم جميعاً أنهم من مدرسة واحدة فتطورت، فاللغة كَشّاف الشعوب، ولا معنى لعصبية الأبجديات عند أولئك الذين يريدون القبض على الماء دون فائدة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات