مداريات حزينة

حين أصدر كلود ليفي شتراوس كتابه «مداريات حزينة» عام 1955م، احتار النقاد في تصنيف الكتاب، فهو كالرواية وليس برواية، وككتاب مختص في أدب الرحلات ولكنه ليس بأدب رحلات، وبدا كمخطوط علمي غزير في علم الإنسان، إلا أنه ظل بعيدًا عن ذكر المصادر والدلائل، ليعلق البعض على أنه كتاب متقن في بحثه بعلم الأعراق البدائية، إلا أنه فاجأهم بأسلوبه الأدبي الشاعري، وعلى ذلك نظرت الأوساط العلمية بحذر إلى نصوصه المليئة بألوان التأمل، ليدافعوا عن العلم الخالص، بالمقابل تمنت جائزة «غونكور» الأدبية الفرنسية العريقة أن يكون كتابه هذا رواية لتمنحه جائزتها.

ازدحم العالم الاجتماعي والنفسي «شتراوس» طويلاً في أسفاره بغاية الكشف، كميداني، وكباحث، وقبل كل شيء كمغامر فطري عاشق للتعمق، وهو الذي اهتم بالأساطير وتأثر بها، وعانى طويلاً ليأتي بإحداها من الأمكنة البعيدة ومن سكانها الأصليين قبل أن تضيع، مجتهدًا في بناء دراسات حولها، مرورًا باهتمامه بالملاحم والأصول والجيولوجيا والفنون والأديان والنباتات، والفكر البري حين يلتقي بالسحر الكيميائي وبالعلم الحسي...

من هنا أصدر الكثير من الكتب، لكنه أبى أن يكون كتابه هذا مصنفًا، فتعمد أن يكون خارج التصنيف، وهو المعروف بكتاباته البنيوية النفسية والمؤيد للبحث المنهجي المعتمد على الكشف والدراسة، لكنه بالمقابل ذهبَ متجردًا بلغته الاجتماعية والثقافية والإنسانية العالية في الكتابة، وبالتالي حين وُلدَ كتابه «مداريات حزينة» رأى القارئ فيه الكثير من البهجة القائمة على الأسى من خلال سفره وترحاله للبحث عن أفكار قبل أن تموت وهو العالم الأنثروبولوجي المعروف، ليخرج النص منوعًا وعميقًا وهامًا بين الأدب الروائي وعلم الاجتماع والفكر الفلسفي والخرافات والفنون والشعر والسخرية الحزينة.. وفي إصدار واحد.

نتساءل، ألا تبقى بعض الكتب نادرة وغير متوقعة رغم حقيقتها؟ وغامضة رغم وضوحها؟ فهل لأنها فقط لا تتخذ الأساليب الموروثة التي تسلطت على المؤلفين؟ ها هو شتراوس المغير الذي أحببنا تغييره، فغالبًا التصنيف والترتيب والتمييز بين الكتب في المكتبات تبدو كمجموعات للتسهيل في البحث واعتماد العناوين التي نريد، ومن الطبيعي إن لم نفعل ذلك أن تصبح الكتب مبعثرة ومشتتة، بَيدَ أن كتاب «مداريات حزينة» بقي رغم اللاتصنيف متآلفًا، ومضمومًا بنا، لأنه تعمق بحب في ميثولوجيات غابات بدائية قبل أن تضيع، ونأى بعيدًا في التاريخ ليصف للنبع البشري، وتوغل في حزن الإنسان وكأنه يستبطن المعرفة عن أولئك العجزة، والبوح الحزين، لكن بحرفةِ مستكشفٍ لا أكاديمي.

 

 

تعليقات

تعليقات