في تلك المرتفعات

كيف لها وهي التي لم تتعدَ التاسعة والعشرين من عمرها أن تكتب رواية تختزل فيها كل المشاعر الإنسانية، كلها دون تمييز؟ تُسقطها في حكاية مُتخيلة بين عدد قليل من الأفراد وفي منزل واحد، وتصبح الرواية من أجود مائة كتاب في كل العصور.

ما الذي كان في قلبها من وجع أو في عقلها من امتداد ضوئي ليختزل كل تلك الصفات المخفوقة باللهفة في خيالها وهي تسرد روايتها الوحيدة؟ أكان السل قد تمكن من جسدها في ذلك الطقس البارد وقلة التدفئة، فلم تقاومها منذ غياب حضن أمها وهي في الثالثة من العمر؟ أو أن شربها من ماء منزلها الملوث كانت الآفة الأولى، ليشتد حزنها حضورًا بين أوراقها وحبرها؟

فتاة شابة كانت تعي كل ذلك في وعيها وواقعها، لتتجذر ربما في شبح الكتابة، وهي مريضة دون أن تهلوس، قلا تفسير سوى أنها حتمًا كانت تشعر بالموت، فالجسد المعتل له مواقف قاسية ومرعبة نتيجتها البوح بعمق.

أنهت روايتها وفيها كل المعاني من تلك الصفات البشرية بأكملها، من حب وكره وحقد وغيرة وانتقام وجنون وتعب وصدمة وضعف وفتور ووهن وجهد وعزيمة بقوة وارتخاء... طُبعت الرواية وماتت بعد نشرها بتسعة أشهر.

قرأها الناس ليجدوا كيف أن هذه الرواية غريبة وعبقرية في علاقات أفرادها، فهي بحق تختصر علاقات الناس المؤتلفة والمفترقة بأكملها. طارت الرواية بجناحي الإبداع لتنثر إلهامها الذي لم يتوقف إلى العالم كله وحتى الآن.

لم تقرأ هذه الشابة سوى القليل من الكتب المؤثرة في حياتها قبل أن تكتب روايتها الوحيدة والعظيمة، فهي لم تقرأ سوى ملحمتين شعريتين هما «الإلياذة» و«الأوديسة» للإغريقي هوميروس، وقصيدة «الفردوس المفقود» للشاعر الإنجليزي جون ميلتون، وقصائد الشاعر الرومانسي جورج غورديون التي امتازت أشعاره بالغرابة آنذاك.

كما قرأت للروائي والمسرحي والتر سكوت الأسكتلندي المتأثر بالشرق والحروب بين المسلمين والصليبيين، وأخيرًا اطلعت على شكسبير الذي يشتهر بقوله: «أكون أو لا أكون»، إذن قرأتْ ما يقارب أربعة كتب فقط، أو ربما زادت عليها كتابا أو اثنين بجانب دروس متواضعة في التاريخ والجغرافيا وبعض الرسم والموسيقى، ترافقها كمية من الآلام الجسدية مع سعال شديد أثناء الكتابة.

إذن كُتبٌ عظيمة وقليلة كانت كفيلة بصنعها، في أن تضع روايتها على لسان مربية، وهي في عزلة منزلها، فنادرًا ما كانت تمشي في مقاطعتها بين التلال.

رحلت لتحيا في روايتها النابغة والفريدة «مرتفعات وذرينج» الصادرة عام 1848م للأديبة الإنجليزية اميلي برونتي، التي ولدت من تلك المعاناة التي لم تغادرها وجعلتها تشعر بذلك الموت الذي سكن جسدها الشاب، لتقول عبارتها العاقلة: «إن الحياة تبدو قصيرة من أن تُنفق في تنمية البغضاء وتسجيل الأخطاء».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات