00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المجدُ لأطفال عُمان

ت + ت - الحجم الطبيعي

المشهد الذي رأيتُه قبل أسابيع بدا لي وقوراً ونقياً وأنا أمضي بين زوايا دُور النشر في معرض مسقط للكتاب في دورته الثاني والعشرين لهذا العام، وفي مبناه العريق والجديد، فالعمانيون هم من يطوفون معرضهم ويقرؤون، وأقصد بـ «عمانيون» المواطنين أنفسهم وبمختلف أعمارهم وفئاتهم من آباء وأمهات، أطفال ومراهقين، أساتذة ومن أتى من القرى البعيدة، تيقنت أن العائلات في أغلبها تقرأ.

الأم تنصرف لاختيار عناوين ويبقى الزوج مع الرضيع للعناية حتى تأتي ليتبادلا الأدوار، ومُسنٌّ يحمل كتباً فوق طاقة عمره، مراهق يدون في دفتر ملاحظاته الصغير عناوين جديدة، الجميع غارق في لذة القراءة، بعضهم جالسٌ وآنسٌ في ركن الاطلاع وزاوية، أو مستنداً على جدار، لا صبر لرؤية ما اقتنى من كتب، إنهم أسرى المفردات، يحاولون تفكيك النصوص، بلا شك أنهم يكرسون ما يقرؤونه لزمن ثقافي قادم، مشاهد بلا فوضى توحي بجيل قادم ومختلف.

هذا الحضور المزدحم جعل من مبيعات معرض مسقط للكتاب الثانية خليجياً بعد معرض السعودية للكتاب، وبقوة شرائية مباشرة من أفراد المجتمع، فلا ننسى عدد السكان بينهما في النسبة والتناسب، بين 4 ملايين نسمة في عمان، مقابل سكان السعودية الذي يزيد عن 30 مليون نسمة.

ولا بد من قول إنني كنت حيال مفاهيم جديدة وسعيدة أثناء مقابلتي لوزير الإعلام العماني عبد المنعم بن منصور الحسني بعد دعوته الكريمة لنا كضيوف شرف للمعرض، مؤكداً ما يخططون له: «معرضنا تنويري بالدرجة الأولى وإننا أصبحنا نراهن على مستقبل عمان وبثقة من خلال هذا الجيل الصغير القارئ».

حينها تذكرت مقولة الجاحظ: «إني لا أعلم شجرة أطول عمراً ولا أطيب ثمراً ولا أقرب مُجتبى من كتاب»، فالجيل العماني الصغير بات في مجمله قارئاً، ولا بد لهؤلاء -كما أرى- أن يحمل الآن بعضهم مهارات صامتة، لن تخرج إلا بعد أن يضع خطاً ثقافياً دفاعياً، كي يدخر للمستقبل، فلم أر طفلاً عمانياً متباهياً، فالتباهي للفارغين، بينما هذا الطفل القارئ يحمل مخزوناً قرائياً جيداً، ما دفع به أن يكون منتبهاً لا غارقاً في وهمه بأنه في أمان والأمور ميسرة ويكفيه ذلك.

عالمنا العربي الذي يعاني من نقص شديد في القراءة، فحسب الإحصائيات الأخيرة المحزنة أن كل مليون عربي يقرؤون 30 كتاباً فقط، إحصاء محبط، لكن بالمقابل ما رأيت في معرض مسقط للكتاب يُفرح القلب، لوجود لاعبين حقيقيين في ملعب الكتاب، وظاهرة لم أجد لها مثيلاً خلال تجوالي، هي ظاهرة قرائية صحية وإن اختلفوا في ما يقرؤون بين القراءة التطويرية والترويجية والثقافية، فالمجتمع العماني المولع بالقراءة، لا شك أنه رسم مُسبقاً معايير الصلاح ليكون في الصدارة ويجني الثمر، وكما يقول المثل العربي القديم: «مجد التاجر في كيسه، ومجد العالِم في كراريسه».

 

 

طباعة Email