ليبيا والتركة الخطرة

أصبحت الديمقراطية التي بُشّر بها الليبيون، بعد سقوط الرئيس معمر القذافي عام 2011، سراباً في الصحراء حتى الآن، ينحسر باستمرار، لذلك فلا عجب أن الرجال والنساء الذين صوتوا أخيراً على الجمعية التأسيسية، التي من المقرر أن تضم 60 عضواً، وستقوم بوضع دستور جديد، هم في مزاج عام، بعيداً عن الحماسة، وفقاً للعديد من التقارير.

ويفترض في الدستور الجديد توفير أساس متين لمستقبل ليبيا، من خلال تحديد حقوق وواجبات المواطنين، وحماية الأقليات، وتحديد النظام القانوني، واتخاذ قرار بشأن شكل الحكومة، لكن المشكلة هي أن كل ابتكار مؤسسي منذ عام 2011، قد رافقته آمال بأن يؤدي لحياة سياسية وطنية حقيقية، طبيعية فوق كل شيء، لكن لم يتحقق أي من هذه الآمال.

الحقيقة المرة هي أنه قد تم الاستيلاء على السلطة في ليبيا من قبل ميليشيات مسلحة، تسيطر على معظم ما يدور في كل منطقة. بعض هذه الميليشيات قبلية أو محلية، ويعتبر البعض الآخر أجنحة مسلحة لأطراف سياسية، لم تحقق نتائج جيدة في الانتخابات، إلا أنها تصر، تحت تهديد السلاح، على قول كلمتها في جميع القرارات.

إن تلك الميليشيات لا تحكم أو تدير بأي معنى كامل للكلمة، وهذا أمر لا تملك الرغبة فيه، ولا القدرة عليه، وتتوقع إتمام الآخرين لمهام الحفاظ على أعمدة إنارة الشوارع تعمل، وإبقاء المياه جارية، إلا أنها تحتفظ لنفسها بحق التدخل بطريقة تعسفية أو سلبية، كلما أرادت ذلك.

منعت الميليشيات تصدير النفط، وخطفت سياسيين ومسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء الليبي، واقتحمت اجتماعات، للمطالبة بأن يتم التصويت على قضية ما، بالطريقة التي تريدها.

واثنتان من أكبر هذه الميليشيات طالبتا مؤخراً بأن يتم حل البرلمان، الأمر الذي وضعها على مسار تصادمي مع الجماعات المسلحة الأخرى، التي تدعم حكومة رئيس الوزراء علي زيدان، ويعتبر الجيش صغيراً للغاية، وربما منقسماً، أيضاً، بشكل كبير، بحيث لا يمثل ثقلاً فعالاً.

وقد استكملت مستجدات لا تحمد عقباها من هذا النوع، بسلاسل مسرحيات هزلية، مثل تلك التي برزت، عندما أعلن قائد متقاعد أنه يجري تنفيذ انقلاب عسكري، وتحدث بشكل رائع عن "خريطة طريق" لليبيا، من شأنه وضعها قريباً حيز التنفيذ، ولم يحدث بعدها شيء على الإطلاق، وما زالت المسألة غامضة، لكن الليبيين سيكونون مفرطين في التفاؤل، إذا توقعوا أن تكون الحال دائماً فشل العديد من التهديدات لدولتهم الهشة.

لقد سمح الفراغ في ليبيا للجماعات المتشددة بإثبات نفسها، وخاصة جماعة "أنصار الشريعة"، وقد جلب هذا بدوره اهتمام ورقابة أميركا، وحلف شمال الأطلسي. وسيتطلب الوضع أكثر من دستور جديد، للتغلب على هذا الإرث الخطر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات