دروس سنودن لزعماء الغرب

يبدو أن فضائح التجسس والتنصت الأميركية التي كشف عنها موظف أجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية السابق إدوارد سنودن، اللاجئ حاليا إلى روسيا، بقدر ما أصابت المتجسس عليهم بالصدمة، وخاصة حلفاء وأصدقاء واشنطن، أصابت الرئيس الأميركي باراك أوباما بصدمة أكبر، وصدمة أوباما أنه اكتشف بعد هذه الفضائح، أنه آخر من يعلم.

وعندما يعلم الرئيس الأمريكي، فقط من خلال المعلومات التي نشرها سنودن في وسائل الإعلام، أن وكالة الأمن القومي كانت تتنصت على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، فإن هذا يشير إلى أنه "ليس كل شيء على ما يرام في الإمبراطورية الأميركية العظمى".

ومع أن الخبراء والمراقبين يحاولون التخفيف من حدة الأزمة، بتفسير ما حدث بأنه عمل روتيني تمارسه كل أجهزة الاستخبارات في العالم، وأن عمل الاستخبارات ليس موجها فقط للأعداء بل للجميع، إلا أن هذا لا يغير جوهر المشكلة، حيث هناك حالة غضب تسود هيئات الحكم العليا في الدول التي تجسست عليها الاستخبارات الأميركية. وهذا الغضب لم ينصب على واشنطن وحدها، بل أيضا على أجهزة الإعلام التي تلقفت هذه الفضائح ونشرتها، وربما نالت هذه الأخيرة القسط الأكبر من الغضب، بينما لم نسمع بوضوح تصريحات حادة وغاضبة تجاه الإدارة الأميركية والرئيس أوباما، الذي بات هو الآخر مندهشا أكثر من غيره.

لا شك في أن ما كشفه سنودن يعد أمراً غير عادي، ولو كان الأمر خضع للسرية ولم يخرج للعلن لربما كان احتواؤه سهلا، لكن نشر الفضائح يزيدها تأثيرا وفاعلية، حتى أن رئيس وزراء بريطانيا، ديفيد كاميرون، اضطر لتهديد وسائل الإعلام التي تنشر ما يكشفه سنودن بإحالتها إلى القضاء، مبررا ذلك بنفاد صبره بعد نشر أخبار عن قيام وكالة الأمن القومي الأميركية بالتنصت على هواتف زعماء 35 دولة في العالم. موقف رئيس الحكومة البريطانية غريب وغامض، فبينما يهدد بمحاكمة وسائل الإعلام التي تنشر ما يكشفه سنودن، بدأت في بريطانيا محاكمة رؤساء تحرير صحيفة "نيوز أوف ذي وورلد" التي يملكها رجل الأعمال الأميركي روبرت مردوخ، ومعهم ستة أشخاص آخرين، بتهمة التنصت على هواتف الشخصيات السياسية.. هنا ليس واضحا ما الفرق بين ما قامت به وكالة الأمن القومي الأميركية، وبين ما قامت به الصحيفة المذكورة محل الاتهام!

أما ساكن البيت الأبيض الرئيس أوباما، فقد كان أكثر تواضعا وموضوعية، فقد اعترف علنا أمام الصحافيين بأنه بفضل ما كشفه سنودن علم بوجود أمور غريبة في عمل أجهزة المخابرات الأميركية، وأشار إلى ضرورة معرفة مدى مطابقة ذلك للقيم الأميركية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات