محاكمة سيف الإسلام يجب أن تتم في ليبيا

اجتمع مدعون عامون من المحكمة الجنائية الدولية بأعضاء المجلس الليبي الوطني الانتقالي لمناقشة مصير سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، إلى جانب عبد الله السنوسي، رئيس المخابرات الليبية السابق.

 وكلا الرجلين مطلوب من قبل المحكمة على خلفية تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ارتكبت بحق الشعب الليبي منذ بداية الثورة الشعبية في فبراير الماضي. وانطلاقاً من حرص المجلس على تأكيد نفوذه، وعلى أن تأخذ العدالة مجراها على أرض بلاده، فقد أصر على أن تتم محاكمة الرجلين داخل ليبيا.

ومن جهة أخرى، فقد طلبت المحكمة الجنائية الدولية، ربما بسبب المصير الملطخ بالدماء الذي حل بوالد سيف، العقيد معمر القذافي، أن يتم إرسال المتهمين إلى لاهاي. وشددت على أنه إذا كان لا بد من أن تتم المحاكمة في ليبيا، فسيتعين على المجلس الوطني الانتقالي إذن «أن يجادل أمام المحكمة بأن نظامه القضائي الوطني مستعد وقادر على القيام بذلك بطريقة مستقلة ومحايدة».

ويمكن على أحد المستويات فهم التحفظات التي تبديها المحكمة الجنائية الدولية. فقليلون هم الذين يلزمون الحداد على رحيل العقيد القذافي، ولكن طريقة موته كانت مثيرة للشفقة.

وعلى الرغم من أن القذافي مات كما عاش، فقد أدت طريقة إعدامه الفوضوية والخارجة عن نطاق القضاء، والاحتفاظ بجثته لاحقاً في ثلاجة لحفظ اللحوم بمصراتة، إلى تقويض الثقة في قدرة ليبيا الجديدة على دعم سيادة القانون. ومع ذلك، فإن هذا يمثل سبباً أقوى لإجراء المحاكمات في ليبيا، لا في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. فلا بد أن تأخذ العدالة مجراها الحقيقي.

ولا بد أن يحرص المجلس الوطني الانتقالي على أن يتم ذلك. وفي الحقيقة، فقد أظهر المجلس الوطني الانتقالي، بالنظر إلى الظروف التي أسفرت عن تشكله، درجة كبيرة من الكفاءة في طريقة تصرفه خلال الثورة، وهو يسعى الآن إلى وضع ليبيا على طريق الحكم الديمقراطي. وبعد اعتقال سيف، سارع المجلس إلى تأكيد استعداده لتبني هذه المبادئ في طريقة إجرائه لأية محاكمة في المستقبل.

ومع ذلك، فإن المحكمة الجنائية الدولية تحافظ على حذرها. وقد أصدرت أخيراً بيانا ذكّرت فيه المجلس بأن: «مسألة مكان إجراء المحاكمة لابد من تسويتها من خلال عقد مشاورات مع المحكمة. وفي نهاية المطاف، فإن القرار بيد قضاة المحكمة الجنائية الدولية، وهناك معايير قانونية سيتعين الالتزام بها».

لا يبدو هذا باعثاً على التفاؤل. فلا بد من تحقيق العدالة بلا شك، ولكن إصرار المحكمة الجنائية الدولية على أن يتم إجراء هاتين المحاكمتين في لاهاي سيمثل تصويتاً بعدم الثقة في السلطات الانتقالية الليبية في وقت حساس للغاية.

والغرض المعلن من وجود المحكمة الجنائية الدولية هو محاكمة الأشخاص عندما تكون سلطة القضاء الوطنية التي يفترض أن تحاكمهم إما عاجزة عن محاكمتهم بطريقة عادلة، أو غير راغبة في ذلك. وحتى في قضايا من هذا النوع، فإن المحكمة الجنائية الدولية لا تشكل الخيار الافتراضي، بل تمثل بوضوح محكمة الملاذ الأخير.

ويتعين على جميع الأطراف إدراك ما تحمله هذه الفرصة من أهمية استثنائية بالنسبة إلى المجلس الوطني الانتقالي، ليس لإظهار كفاءته فحسب، وإنما لإظهار التزامه أيضاً بالتصرف بطريقة تتفوق أخلاقيا على طريقة عائلة القذافي، حتى عند التعامل مع أفرادها. ولا يحكم على الحكومة بناء على إنجازاتها فحسب.

ولكن بناء على قدرتها على التسامح كذلك. وقد حقق المجلس الوطني الانتقالي العديد من الإنجازات في الأشهر الماضية، ويتحتم عليه الآن أن ينظر إلى الالتزام بتعزيز سيادة القانون، بصرف النظر عن الشخص الذي تتم محاكمته، بقدر مواز من الأهمية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات