في رحيل الزعيم «ماديبا»

نيلسون مانديلا غير وجه العالم

نيلسون مانديلا يتسلم جائزة نوبل البيان

رحل الأب الروحي للأمة: «ماديبا» كما كان شعب جنوب أفريقيا يصف زعيمه الجليل نيلسون مانديلا.

عاش مانديلا زمن "الأبارثيد" بكل قسوته. اكتوى الفتى الأسود المتقد الطموح نيران "الأبارثيد" التي تأججت حرائقها وخاصة عند منتصف القرن العشرين، يومها استشرى نفوذ المستوطنين البيض المنحدرين من أصول أوروبية ــ هولندية بالذات بعد أن جاء أسلافهم إلى جنوب إفريقيا المغطاة بخضرة مترامية من الغابات الباسقة وأدغال الإستبس الخصيبة..

ولا تكاد تحدها حدود. ثم أنها تنعم بمناخ مازال الاختصاصيون يطلقون عليه اسم "مناخ البحر المتوسط" بمعنى الاعتدال في الطقس بعيداً عن تطرف المناخ في قارة إفريقيا ما بين قيظ الصيف وزمهرير الشتاء.

زعامات شابة

عند خمسينات القرن الماضي. كان الفتى "نيلسون" قد تجاوز الثلاثين من العمر. بدأ يتسامع عن زعامات شابة ــ جديدة واعدة وجسورة تقود كفاحات القارة السمراء إلى حيث الاستقلال والحرية وخطط التنمية والعمل على وحدة الإرادة الإفريقية والنضال بغير هوادة ضد بطش الاستعمار حتى الاستقلال. وبعدها كان لابد من خوض النضال الأصعب والأفدح ضد مواريث التركة "الكولنيالية" التي تخلفت عن عهود الاستعمار الأوروبي فقراً وبؤساً وتعثراً عن مسيرة العالم والعصر.

وإذ كان نيلسون يتسامع بأسماء نكروما وسيكتوري وعبد الناصر وبن بيللا.. وكينياتاــ كانت دولة العنصريين البيض في بريتوريا تحكم قبضتها علي مقاليد جنوب إفريقيا تحت لواء "الأبارثيد". وهو المصطلح الذي صكوه في ذلك الطرف الأقصى من القارة ليصدق على معنى الفصل على أساس العِرق واللون بين إنسان وإنسان.

الفصل العنصري

لا عجب أن اصطلحت "الأمم المتحدة". منذ عقود الستينات على ترجمة "الأبارثيد" بتعبير يقول بالتالي: الفصل.. العنصري.

وترجع دقة التعبير الدولي إلى أنه لا يكتفي بحكاية التمييز أو التفرقة العنصرية بل أنه يؤكد على عنصر الفصل بين مجتمعين وحياتين وشعبين في بلد واحد، شعب من المستوطنين البيض الذين ينعمون بكل خيرات البلاد.

مابين حواضرها الزاهرة وضواحيها الأنيقة المترفة، وشعب آخر من الأفارقة أهل البلاد الأصليين والشرعيين أيضاً ممن حكمت عليهم سياسة "الأبارثيد" بأن يعيشوا داخل معازل تحمل بدورها وصف "بانتوستانات" بعيداً عن تيار الحضارة وثمار التقدم. محرومين من كل شيء. ابتداء من المشاركة في مصير الوطن وليس انتهاء بكرامة العيش الجدير بالإنسان.

الحقيقة والمصارحة

هكذا أصبح مانديلا عضواً في حزب المؤتمر الإفريقي ومن يومها اختار طريق الكفاح تحت شعار يصفه الكاتب رايان روين على النحو التالي:

- منذ الستينات اختار مانديلا أن يحرر بلاده لا بأسلوب الإرهاب والترويع ولكن بأسلوب تدمير مشروعية الحكم (العنصري) القائم في البلاد (من دراسة ضافية بعد رحيل الزعيم الإفريقي الكبير تنشرها مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز) في أحدث أعدادها الصادرة).

لا عجب أن حكموا عليه بالحبس عام 1962 ليظل رهين السجن العنصري في جزيرو "روبن" النائية إلي أن تم الإفراج عنه ليتولى زعامة وقيادة بلاده مع مطالع التسعينات من أجل تطهيرها من لعنة العنصرية وإعادة مقاليد أمورها إلى أيادي مواطنيها الأفارقة الأصلاء. وليضعها على عتبة طريق طويل. بالغ الصعوبة من حيث المشاكل المتراكمة ولكنه طريق أضاءت معالمه حنكة الزعيم الكبير الذي رفع شعار "الحقيقة والمصالحة" وهو ما جنب أصقاع الجنوب الإفريقي أخطار الصراعات الداخلية الدموية في أغلب الأحيان.

رحيل الزعيم

في سنته الخامسة والتسعين يرحل الزعيم. تنكس الرايات الرسمية في أنحاء العالم.

يفتقد العالم المهيض طلة العم نيلسون. سحنته الداكنة السمرة. ابتسامته الهادئة الواثقة تضئ أسارير مواطن. إنسان أدى واجبه على أكمل وجه. سواء في شعاب النضال أو في غياهب الحبس أو في ديوان الحكم أو في أروقة "الأمم المتحدة" أو على منصة جائزة "نوبل" الرفيعة للسلام.

لهذا تختتم "فورين أفيرز" مقالها بكلمات موجزة تقول:

- بالنسبة للكثيرين. تظل حياة مانديلا بمثابة تذكِرة باقية بأن الإنسان إذا ما تسلح بالأمل وانطلق إلى العمل. يستطيع أن يُغيّر العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات