عمى ثقافي

يتزايد الآن عدد من تلوح في سيماهم الشجاعة للاعتراف بأن ثقافتنا قضت قروناً طويلة وهي مصابة بعمى الخوف، وهو خوف من ثقافة الآخر التي جوبهت في أول أدوات رفضها بوصمها بـ«الدخيلة»، وكذلك خوف داخلي، بعيداً عن الآخر، في عرض مفردات ثقافتنا على حوار العقل، والاكتفاء بتمجيد التقليد الذي ندرك ونقر علناً أنه تقليد أعمى، ومع ذلك نرمي بالزندقة كل من يحاول أن يفتح عينيه.

ولكن هل هي شجاعة حق، واعتراف يراد به الحق؟ أم هو أمر تلزم به مجريات مرحلة تفرض قطع شجرة ثقافة على أنها شاخت دون أن تثمر، في عمى مماثل لا يقل عن سابقه؟

أن ننتبه إلى أن هناك من يهدف إلى هذا، في تجاوز ثقافتنا على أنها لم تنتج غير ما عشناه ونعيشه من ويلات، في سبيل إحلال ثقافة أخرى بكامل مفرداتها ونتاجاتها، لا يجب أن يدفعنا كذلك إلى الخوف، والتحصن بإغماض عيوننا والانغلاق على أنفسنا، فهو الخوف ذاته على مر العصور، والذي لا يمتلك مبررات مقنعة، سواء تحت ذرائع الحماية من هجمات متتالية من ثقافات أخرى في حروب صليبية أو سواها، أو حتى في غزوات ثقافية.

إن أول ما يفرضه تجاوز هذا العمى، إلى رؤية متبصرة، هو تجاوز الثنائية التي حصرت ثقافتنا في صراع دائم بين طائفتين تدعيان التمايز ظاهرياً، على أنهما في جوهرهما لا تخرجان عن عمى التقليد، إما في الجمود داخل ثقافة السلف، أو في التماهي الكامل مع ثقافة «دخيلة».

هذا الصراع رغم ما ظهر به على أنه صراع نظري فحسب، إلا أن نتائجه كانت خطيرة، ليس فقط في تحييد الثقافة عن أن تكون صاحبة الدور الفاعل في تطور المجتمعات، بل كذلك في تأثيرات كبرى فعلية شوهت هذا التطور وأنتجت ما نراه اليوم من ويلات.

وهي ويلات لايزال القطبان يتناوبان الاتهامات حول المسؤولية عنها، على أن المراجعات تفرض تجاوزهما إلى نظام جديد من الأفكار، يعتمد تبصراً بإبداع حر غير مستعبد لأفكار عمياء من هذا القطب أو ذاك.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات