قسوة ليست ضرورية

كثيرة هي الخيارات غير المرغوبة التي يمضي أصحابها في طريقها تحت مبرر الضرورة القاسية التي ألجأتهم إليها مكرهين. والحرب، على شدة قسوتها، لم يسلم العقل من أن يحشد لها مبررات كثيرة، تسوقها من خانة الكراهة إلى الضرورة التي لا بد منها. وإذا استثنينا حروب التحرر ومقاومة المستعمر، فإن خيار الحرب لا يمكن أن يمتلك أي حجج مقنعة إنسانياً وأخلاقياً، ولا حتى اقتصادياً وسياسياً، إن جردنا شؤون الاقتصاد والسياسة من الأخلاق لتكون مكيافيلية فحسب.

حجة اللجوء إلى الضرورة القاسية تفندها تاريخياً جميع الحروب وما آلت إليه، فالحروب لا تنتهي إلا إلى خلق عالم قاسٍ تنتشر فيه الفوضى السياسية، والعوز الاقتصادي، والفقر والتشرد واللجوء وانعدام الأمن، والتفكك والانفلات الاجتماعي، والكثير من الآثار التي تترك الإنسان نهباً لكل الخيارات غير المرغوبة التي تفرض نفسها عليه، فالحرب تخلق جميع الضرورات القاسية، وليست هي مبررها في أي حال.

على أن انحرافات كثيرة في الأخلاق والتفكير، مضت في الأمر إلى أبعد من ذلك، لتجعل من الإبادة الجماعية للبشرية وزج المجتمعات في دوامات تلك الآثار الكارثية، شأناً مقدساً وتوشحه بياقات البطولة.

وفي حروبنا الأخيرة، لا تختلف كثيراً الأصوليات المتطرفة التي تكون مبرراتها أبشع من فعل القتل بذاته، حين تستمدها من ديانات جاءت بالسلام منهجاً لكل الغايات، وبين نزعات إمبراطورية واستعمارية تغزو تحت غطاء نشر التحضر، دون أن تجاوز في فعلها البداوة والهمجية.

وفي الحقيقة هناك خطأ بشع يتمادى تكريسه كثيراً منذ عقود، في تحميل الديانات مسؤولية الفكر الناظم لانتشار الحروب في العالم، على أن المسؤولية هي نتيجة انحرافات بشرية، سواء في تحريف ما جاءت به الديانات، أو بالتأسيس لنظام أفكار يسهّل التبرير إنسانياً للنزاعات الكبرى التي بدأت بحربين عالميتين ولم تنتهِ.

 وفي هذا الإطار يمكن الوقوف طويلاً أمام نظريات سيغموند فرويد وكونراد لورنتس في العدوان، والتي حظيت بالانتشار الأوسع في علم النفس الاجتماعي، ناسبة العدوان إلى غرائزية لا بد للإنسان من إشباعها، ومخففة عن كاهله أي مسؤولية في تدارك اللجوء إليها كخيار. الوقوف في مواجهة الحرب مسؤولية كبيرة، لا شك، لكن المسؤولية الأكبر هي في فضح وتشخيص حقيقة الفكر المؤسس لها، بعيداً عن الاحتيالات التي يتفنن فيها قادة هذا الفكر الآن، لتبرر للحرب على أنها ضرورة قاسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات