بوصلة

لا ظرف مرّ به الإسلام في تاريخه، أكثر دقة وخطورة ومراوغة مما يمر به الآن، ليس من غزوة تثخن جبهاته الممزقة وتضعف حصنه عن أن يكون منعة من أطماع خارجية، فهذه حملة لم ولن تتوقف.

إنما ما يعصف بالدين الذي جاء جامعاً موحداً، هو الاحتراب الداخلي الذي رفع له كثير من أصحاب الانحرافات والتحريفات رايات الطائفة والمذهب، وشحذوا له سيوف فتنة منتنة.

أن تلتقي هدمية هؤلاء مع أغراض عدو يتكالب من الشرق والغرب، هي غاية مشروعيتها في فكر الطرفين مفضوحة، أما غير المشروع على الإطلاق فهو اصطفافات الكثرة من أبناء الدين المنافحين عنه، بمواقف تعتنقها مؤيدة لهذا الطرف أو رافضة لذاك، بمنطق يقيم وزناً لأفكار مسبقة، وليس لبوصلة صحيحة.

قطع الرؤوس وتوزيع مشهدها فرجة للعالم قد يثير موقفاً شديد الحساسية لا يقبله دين ولا خلق قويم، وقد يرسم اصطفافاً ضد جملة دين يزهق هذا الدم باسمه، من دون نظر في براءة الدين من الفكر والفعل المجرّم، وفي اصطفاف آخر قد يكون لكلمة جهاد وقعها عند معبئين بتقليد أعمى، يسبق إلى قلوبهم البغض قبل محبة الخير للناس كافة، وقد يقف كثيرون ضد أميركا أينما وقفت، حتى وإن كانت تحارب الشيطان، وبرغم أنها أثبتت بجدارة أنها شيطان أكبر، فإن العداء لفكرها لا يبيح مصافحة إبليس.

هذه الاصطفافات على تناقضها، محركها واحد في التملص من السقوط في عبودية الطرفين، ولكن العبودية لا تقصر مؤداها على الانقياد لأمر أو الانصياع لردع الناهي، وإنما تعظم حين تكون رد فعل دوغمائياً يرفض الانقياد لأمر حتى وإن كان صحيحاً، أو الامتناع عن نهي حتى وإن كان باطلاً. والحال كذلك، فإن نقيض العبودية الحق هو في خيار حر بعيداً عن هذا وذاك، محركه الوحيد الحقيقة والصواب.

البحث عن الصواب يحيل حتماً إلى طرف ثالث، قد تكون رايته رفض ما يحدث بجملته وتفصيله، وولادة الحق دائماً ما تكون عسيرة وسط انغلاق العقول والقلوب، وأول ما يلتقي عليه المستكبرون حتى وإن احتربوا، هو كسر أي بوصلة تشير إلى الحق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات