وجه

نظام الأفكار الذي يحكم العالم، يضمن تكريماً، في صورة مديح على الأقل، لكل فرد يمجد شروطه، تمجيد بإيمان يلهج به اللسان وتتحرك به الجوارح، أو حتى مواكبة المكره الذي لم يجد سبيلاً إلا إلى المجاراة.

وهذا المديح، في نظر المدقق، لا يحمل تكريماً بقدر ما يحمل تثبيتاً للنظام، وفيه أكثر أنه يشتغل وفق عمليات تخفٍ، أحد أقنعتها إعلاء اللهاث وراء شروط العصر، مشيّداً بذلك سداً أمام بصيرة التوقف للسؤال عن صوابية هذه الشروط، وصوابية الأفكار والنظام جلّه، وتصور إمكانية سواها، فاللحاق بالقطار هو غاية لا يُسأل باقتناصها عن الوجهة. ومن أقنعتها كذلك، إخفاء الترابط وانسجام العمل بين نظم العصر الحاضر، النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

قناعان قد يكون تكشّف جزء مما يتخفى وراءهما بتفكيك ما هدفت إليه عولمة هذه النظم، لكن التخفي الأعظم في اشتغال نظام الأفكار الذي لا يزال يعمل بأريحية، بل ويخدم استمرار بقية الأقنعة على نجاعة خداعها، هو عدم الوضوح الذي يصنعه عن مدى تشكل الفرد بقالب هذا النظام تماماً، مع الكذب بادعاء النقيض من خلال تمجيد التمايز الفردي، وهو تمايز لا يزيد عن كونه شكلاً يكف عن الحقيقة. في عالم يزعم أنه يؤسس ويقدس الاختلاف، ليس هناك إلا نسخ متشابهة تحكي تكرارا حرفياً لأفكار نظام العالم الواحد السائد.. وجه الفرد هو وجه العالم، دون أي اختلاف في الملامح.

شبكات التواصل الاجتماعي، ثورة في تقنية قدمها نظام الأفكار السائد على طريقته، لتستبدل كل أنواع التواصل التقليدي وغير التقليدي بنوع جديد، يلغي المسافة بين أطراف الأرض، ولكنها خدعة غاية في الاحتيال، والمنبهر بتلاشي المسافة، يتقبل دون دراية غياب الوجه، وعلى الأكثر فإن بورتريه الهوية هو وجه ثابت جامد بلا تعابير ولا ملامح. مات الوجه إذن، ومات فقط ليخفي وجه العالم المشوه.

تقنية التواصل على هذه الصورة ليست محض مثال على ما يقدمه نظام الأفكار المتسيّد، بل واحدة من تقنيات كثيرة تقع في صميم اشتغال هذا النظام، وموت الوجه اليوم قد يهيئ لولادة جديدة، عبر تقنيات أخرى، ولكن بعد أن يكون النظام قد مهد لتقبل ملامح مشوهة لوجهه ووجه الفرد.

ما نحتاج إلى إنقاذه اليوم، ليس وجه الفسيولوجيا، الذي يتهشم في حادث، وتحتشد نخبة من كبار علماء الجراحة لاختبار زراعات تنقذ جماله.. ما نحتاج إلى إنقاذه، هو وجه العالم المتمايز بالأفكار والهويات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات