انفصام الرؤية

لم يعد في جرأة أحد أن يستشرف مقبلات الأحداث وما سترتبه حروب قادمة لا محالة، من أوضاع في المنطقة، ليس فقط على مستوى الخريطة السياسية، وإنما أيضاً على المستويات الثقافية والاجتماعية، وربما الاقتصادية كذلك، داخل خطوط هذه الخريطة.

وكيف لأحد أن يتجرأ على قراءة المستقبل وهو لا يستطيع أن يتهجى الحاضر في ظل فوضى لا دلالة للتغير المتسارع في حمامها للمواقف، وتفريخ تنظيمات ومعسكرات وتحالفات، واختفاء أخرى، بل وموتها دون مراسم تشييع، سوى مدلول وحيد، اختزاله أن لا يد في المنطقة تطول أن تمسك بخيوط هذه الفوضى.

وذلك كذلك، فلا يمكن لمن لا يمتلك زمام مبادرة ولا حتى أهدافاً محددة، أن يدعي مقدرة على صناعة نتائج ما ستؤول إليه الأحداث. وإنما الفوضى لا تأخذ في دوارها إلا من هو ساقط كهشيم داخل زوبعتها، أما الواقف خارجها ولم تمسسه ريحها، فيقف مترقباً تحولاتها وتبدلاتها ليقتنص فرص السير بها نحو مبتغاه في نهاية طوافها، إن ظفر فمكاسبها له، وإن لم يظفر فجميع الخسارات على كاهل سواه.

من يستشرف وهو وسط دوار الزوبعة، لا يستطيع أن يتنبأ بأكثر من تعاظم الفوضى، وأن القادم أشد خطراً، فيضيف إلى الزوبعة التي تحمله، زوبعة يحملها في داخله من الخوف الذي يحيل كل فعل إلى ردة فعل غير محسوبة.

وإنما ردات الفعل التي يصنعها الخوف، هي مطلب المترقب لرسم سياسة المنطقة من خارجها، أياً كان ذلك المعسكر في الغرب أو في الشرق، فالجميع له طموحاته ومطامعه، والجمع هذا مهما اختلف ومهما اتفق، فإن خلافاته وتوافقاته كلها ضد مصالح المنطقة ودولها وشعوبها.

غير أن توزيع تلك المعسكرات وفق رؤى دول المنطقة، نسبة إلى مطامع ذات مصالح مختلفة، تتفاوت في أضرارها أو آثارها أو مآلاتها، ترمي إلى تغليب الظن على عقلانية القبول بالمعسكر الأقل ضرراً، والرضى بمطامعه بصدر رحب، مقابل ما يمكن تصويره على أنه عواقب كارثية لتمكن المعسكر الآخر.

فأحد الخيارين جبري في ظل غياب ظن ثالث يبنى على برنامج ذاتي من أصحاب المنطقة للمنطقة.

تسمية تلك المعسكرات تتوزع وفق هذه الرؤية على مطامح ايدلوجية ومطامع سياسية وأخرى اقتصادية، وهي رؤية انفصام تقوم على فصل لا تقيم له المعسكرات المتكالبة على المنطقة وزناً، بين تفتيت الهوية، وإعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للدول، ونهب الثروات.

المكر الذي لا نزال فريسته السهلة، أننا ننشغل في الدفاع عن حصن نظن أنه الأقوى والأبقى، لينهار حصن آخر مدمراً معه الحصون كلها، لأنها إنما تنهض على أساس واحد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات