النكد الإسرائيلي

اعتقدت لوهلة أن جنسيتي الكرواتية قد تكون حلاً ناجعاً لسفري إلى الداخل الفلسطيني دون عوائق تُذكر، إلا أني وبلا شك كنت مخطئة. فهوس الإسرائيليين بأمنهم «اللامحدود واللامُؤطر» يفوق التصور، وهو ما يناقض في حيثياته اليومية الصورة «الحضارية» التي تحاول إسرائيل تلقيمها غصباً للعالم أجمع، وتفشل كل يوم في ذلك.

فخلال التخطيط لزيارتي الأولى لبلدي فلسطين، قررت التوجه إلى حيفا من جسر الشيخ حسين في الأردن، وهو المعبر الذي يمر منه حملة الجوازات الأجنبية. وظننت و«إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» أن إجراءات التفتيش الإسرائيلية لن تطول لأني أحمل جنسية أجنبية.. لا، ذلك غير صحيح بالمرة. فكان السؤال الأول الذي واجهتني به موظفة الأمن الإسرائيلية: هل لديك جواز سفر غير هذا؟ وقصدت جوازاً عربياً، قلت: نعم، أجابت: أرينيه.. وهنا بدأ «النكد الإسرائيلي».

وكوني إنسانة أولاً وعربية وإعلامية، يحق لي ويتحتم علي السفر والتواصل مع ثقافتي وحضارتي كيفما شئت ووقتما شئت، وهذا حق في شرع السماء ومنصوصٌ عليه في مواثيق حقوق الإنسان المُوقعة في الأمم المتحدة، غير أن نقطة التفتيش الإسرائيلية ببساطة تأبى الاعتراف بالمسألة. وكيف ستعترف بهذا الحق وما هي إلا حلقة من سلسلة طويلة من صنوف الهوس الأمني التي تلتف وتتشابك بعنف في العقل الإسرائيلي!

فتحت المفتشة جواز السفر الأردني، رأت أختام السفر إلى سوريا ولبنان ومصر وغيرها، إلا أن هذه الدول، وخاصة الأولى والثانية، أثارت حفيظة فريق التفتيش الإسرائيلي في النقطة. لتبدأ الأسئلة: لماذا سافرت إلى بيروت؟ وأين أقمت؟ وكم بقيت هناك؟

وبمن التقيت؟ وكذلك الحال مع سوريا، وفي حالة هذه الأخيرة أجبت بأني لم أزرها منذ بدء الأحداث هناك، إلا أن جوابي لم يقنعها. تركتني لتعود لي بعد ساعتين وتعاود سؤالي: متأكدة أنك لم تزوري سوريا أخيراً؟

ومن ثم بدأت بالسؤال عن إيران وأفغانستان وباكستان... وهكذا حتى امتد الوقت إلى ست ساعات كاملة، أجلس فيها وأنتظر تسلم جواز سفري، ولكن السؤال الأهم؛ ما دخلي أنا بالقوانين الإسرائيلية العنصرية؟

فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين حملة جنسيتها من السفر إلى بيروت وسوريا وإيران وغيرها بدعوى أنها دول معادية لإسرائيل (وفي ذلك بغي عظيم)، فما دخلي أنا كمواطنة أردنية أو كرواتية بهذه القوانين؟ الجواب ببساطة هو هوس إسرائيل بأمنها، ولم أجد من تبرير لهوسها إلا في المثل الفلسطيني «إللي على راسو بطحة بحسس عليها»

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات