أوهام كارثية

من المعيب أن يتفاجأ ملايين البشر باختفاء الطائرة الماليزية، التي تبخرت دون أن يعرف العالم أي شيء عن مكانها وأسباب ما حدث لها على مدى أسبوعين، فأساطين التقنية والعلم كانوا مشغولين في ذلك الوقت بما هو أجدى وأهم، وتلسكوباتهم كانت موجهة نحو ثقب خارج المجرة، ليكتشفوا لنا صدى الانفجار العظيم الذي سبب نشأة الكون قبل مليارات السنين، متجاوزين قيود الزمان والمكان.

وليس من يخلق الأوهام هو من يستحق السخرية، بقدر ما يستحقها من يستهلكها ويصدقها، وتصبح بالنسبة له من المسلمات التي لا تقبل جدلاً، بل ومن المقدسات التي تمنع من إعادة التفكير وإبداع مسار مغاير لتحقيق غايات الإنسانية التي ضلت طريقها أبعد ضلال، في ظل حجم الأوهام التي تكرست.

اختفاء طائرة بهذه الصورة في عصر التقنية التلسكوبية العابرة للمجرات، ليس أكثر من وهم على الهامش، بالتقصي عن أوهام كارثية ثبّت النظام العالمي أوتادها في العقل الجمعي، سواء تلك المتعلقة بالعلم أو الجوع أو المناخ أو الانفجار السكاني أو الطاقة أو الاقتصاد، وحتى الحروب والصراعات، وأسبابها جميعاً.

مقارنة صغيرة جديرة بالإفصاح عن الكثير، ففي بداية الأسبوع الماضي، وتحديداً بمناسبة اليوم العالمي للمياه، شكت منظمة اليونيسيف من أن 768 مليون إنسان حول العالم لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة، ما يؤدي لموت مئات آلاف الأطفال سنوياً بسبب المياه الملوثة، وفي المقابل تشير تقارير التسلح الدولية إلى أن قيمة النفقات العسكرية لمدة أسبوعين فقط، تكفي لتوفير مصادر للمياه الصالحة لكل أولئك البشر.

ولا تزال الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، تتسابق في تصنيع الرؤوس النووية التي تبلغ كلفة واحدها نحو 200 مليون دولار، وتمتلك منها هذه الدول عشرات آلاف الرؤوس، ما يعني حسبة ستعطي أرقاماً بتريليونات الدولارات التي تنفق في إنتاج ما يتسبب في الإبادات الجماعية، في حين أن تلك النفقات تكفي لإطعام جميع من على الأرض، وتوفير المسكن والتعليم والرعاية الصحية للملايين، بما لا تحتاج معه البشرية إلى حروب.

وكان من الأجدى لتلك الدول التي تبحث خارج الأرض لإثبات قدرتها على زراعة نبتة على القمر أو المريخ، أو اكتشاف مياه على هذا الكوكب أو ذاك، أن تستصلح ملايين الهكتارات الخصبة التي تركت جرداء في إفريقيا، وترك أهلها فريسة لصناعة الجوع التي يكرسها العالم المتحضر لتسويق محاصيله، فجغرافيتها معروفة لتلاميذ المدارس، ولا تريد سفناً فضائية لسبرها.

تلسكوبات عصرية تبحث عن صدى الماضي، وتترك المستقبل رهينة لكارثية الحاضر، وصناعات تجعل الإنسان أشبه ببربريته الأولى، رغم زيف ذلك أيضاً، فالإنسان الأول أكثر تحضراً منه الآن.. كل ذلك يؤكد أهمية صياغة وعي بديل للعالم، يتجاوز هذه الأوهام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات