اللعب على الزمن

تظل الحكومة السودانية هي ذاتها التي انقلبت على النظام الديمقراطي ليلة 30 يونيو 1989، فقط كل فترة تطلي وجهها بلون ما، لعبور مرحلة ما من الضيق، ولعل المواقف المتناقضة التي تصدر عنها هذه الأيام، تمثل محاولة جديدة للقفز على الهوة العميقة الماثلة حالياً.

وبقراءة متأنية لما يدور خلف الكواليس، نجد حكومة "إخوان الخرطوم" مواجهة بضغط غير مسبوق، يتكاتف فيه العامل الاقتصادي بالسياسي، ليضعها أمام حقيقة أنه لا بد من إعادة ترتيب أوراق اللعب. رسالة شديدة الوضوح وصلت للخرطوم عبر حلفائها في المنطقة، مصحوبة بإجراءات اقتصادية غير معلنة، تمثلت في إيقاف عدد من البنوك والشركات لتعاملاتها مع السودان، وبالتالي توقف التحويلات المالية التي يحتاجها البلد.

وبات من الواضح أن النظام المصرفي الموازي الذي بنته الخرطوم خلال فترة الحصار الأميركي، والذي ظلت تمول عبره صفقات السلاح واحتياجات حروبها العبثية، لن يحتمل عبئاً إضافياً في ظل التوجه العالمي الحالي، الذي لم يعد يخفي تبرمه من تحمل الفاتورة الإنسانية في دارفور.

الخرطوم التقطت الرسالة الأخيرة وتداولت حولها، وارتأت ضرورة التعامل معها، لأنها هذه المرة تحمل عاملا آخر للتعاطي مع التهديد، وهو العامل الاقتصادي. فالحكومة منذ فترة "مفلسة" تماما، للدرجة التي دفعت وزارة المالية أواخر العام الماضي، إلى التصرف في "ضمان ودائع المصارف" المودع من قبل البنوك التجارية لدى البنك المركزي.

وبحسب المعلومات المتسربة من داخل النظام على قلتها، هناك 3 تيارات؛ الأول يدعم المضي في الإصلاح بطريقة جادة، وتيار آخر منغلق يقوده بعض لواءات الأمن ويحركهم من خلف الستار المساعد السابق للرئيس البشير (نافع علي نافع)، يرى أن لا ضرورة للإصلاح وأن الغرب لا يمكن الوثوق بوعوده، وتهديداته خبرتها الخرطوم منذ 1989.

التيار الثالث، ومن قادته البارزين مساعد الرئيس إبراهيم غندور ود. مصطفى عثمان إسماعيل، يرى التعامل بصورة شكلية مع الرسالة، عن طريق إجراءات يستشف منها أن الخرطوم تعاملت مع الرسالة بينما الواقع غير ذلك، ولا بأس من إدخال بعضها بتقديم تنازلات لا ترقى لتفكيك النظام.

والواضح أن هذا هو الرأي الذي اعتمد وشرعت الحكومة في إنفاذه فعلاً، لأننا بالعودة إلى التاريخ القريب نجد أن الحكومة لا تحتاج فتح حوار مع المعارضة، فلها اتفاقات موقعة مع حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، بعد حوار استمر قرابة ثلاثة أعوام ووصل إلى نتائج محددة (نداء الوطن).

وكذلك اتفاق بشهادة دولية، موقع مع التجمع الوطني الذي كان يضم مجموع الأحزاب المعارضة من غير الأمة القومي، والمعروف باسم اتفاق القاهرة، إلى جانب اتفاقات الدوحة وأبوجا لمعالجة قضية دارفور.

إذا ربطنا ذلك مع الرفض الحكومي لمطلب الحركة الشعبية، بمعالجة قضايا منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان في إطار حوار قومي، يبدو واضحاً أن الدعوة للحوار الحالية ما هي إلا ملهاة جديدة، تريد بها الخرطوم عبور ضائقتها الحالية فقط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات