سلام على ذكرياتي

في الطريق من مدينة العين إلى دبي، ذكريات داعبت فكري وظني، لم يكن صباح ذاك اليوم الشتوي في شرفات منزلنا الدمشقي يوماً عادياً، زخات المطر تقرع نافذة غرفتي، ذلك اليوم كان مفترق طريق في حياتي، إذ قررت بمحض إرادتي أن أحمل لقب مغترب، ومن حينه وأنا أحمل في ذاكرتي تداعيات وأحلاماً وذكريات.

في ربوع الشام مهد طفولتي وريعان شبابي، وعلى ضفاف نهر الفرات في مدينة الميادين خانة ميلادي، كلما استدعيتهما في مخيلتي ومن بين دفاتري وكتبي في ساعات خلوتي، طفرت من العين دمعة تعاتبني على استحياء، أمنيات أعلل النفس بها في غربتي.

خمسة وعشرون عاماً مرت مذ غادرت الوطن، فذاك هو قاسيون وبردى بفروعه السبعة يتماهى، وياسمين الشام يعانق الجدران، يعاتبني ويتناثر كالأنجم على جيد الصبايا الحسان وعلى فنجان قهوتنا الصباحي وبنيات نسيم الشوق يداعب خصلاتهن المدللة، وتلفح شمس أيلول ورداً جورياً على وجناتهن خجلاً.

صباحات فيروز ترافقني إلى مدرستي، تسكن طيات دفاتري وكتبي، يأتيني صوتها ممزوجاً بصوت أمي توقظني، تغني "ياجبل البعيد خلفك حبايبنا، بتموج متل العيد وهمك متعبنا، اشتقنا للمواعيد، بكينا تعذبنا، ياجبل البعيد قول لحبايبنا" يومها لملمت أشيائي على عجل، أخفي حزني وقلقي عن عيني أمي، وخطوات والدي، رحمه الله، تذرع البيت جيئة وذهاباً، وعلى شفتيه تمتمة كلمات حيرى. دسست بين طيات ملابسي دفتري الأزرق، مخزون ذكرياتي وأسرار قصائدي وعشقي الماضي.

شددت الرحال ويداي المتعبتان تلوحان لأحبائي بخجل من على مقعد الطائرة التي أقلتني إلى شطآن الخليج، كنت أحتضن ابني ولم يتجاوز عمره عاماً واحداً.

حطت الطائرة، وعيناي الحائرتان تبحثان وسط الجموع عن مستقبل مجهول، وكما حنين النوق انكبت زوجتي على صغيرها تحضنه تقبله، تداعب خصلات شعره تمسح حبيبات العرق عن خديه.

السيارة تقطع الطريق مسرعة، وعنين مكيف الهواء يصارع حرارة الجو، على الطريق ارتفعت كثبان الرمل ترسم لوحة ظللتها خيوط الشمس، وعلى الطرف الآخر انتصبت أشجار نخيل شامخة، وحدائق تناثرت وواحات تحكي إرادة الحياة.

شاخصات الطريق تحمل أسماء كنت أجهل معانيها، مدينة العين، ندود وأفلاج وبدع وقلاع وحصون، فتلك قلعة الجاهلي ومن هنا هيلي ومن هناك بدع بنت سعود، وتلك هي المربعة، وعود التوبة، وند الرصاص، والكويتيات، والنيادات، والمسعودي، والمناصير، وزاخر، ومزيد، والعين الفايضة.

 وذاك جبل حفيت، شامخ يعانق رسم من بانوا، أسماء ومعان ودلالات، وعلى غفلة من الزمن وجدت نفسي في مدخل مدينة دبي وقد بانت أبراجها تحاكي عنان السماء، أوقفت شريط الذكريات، ودارت في مخيلتي ألف حكاية ورواية، ورحت أستنشق رائحة المطر وقد بللت قطراته حبات الرمال، فملأت رئتي شهيقاً وزفيراً، وأفقت من حلمي وأنا أردد سلاماً سلاماً على ذكرياتي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات