أخلاق مزورة

غياب الأخلاق عن السياسة الخارجية، وخصوصاً في دول الغرب، لم يعد مثار جدل، وليس أشهر ولا أدل على ذلك من عبارة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير: «لم نقل يوماً إن سياستنا الخارجية مبنية على الأخلاق».. بل يصل الأمر لدى كثير من منظري السياسة، إلى اعتبار الحديث عن الأخلاق ضرباً من المثالية، وربما الحمق وغياب الدراية والخبرة في السياسة.

ولكن ما وصل إليه الأمر، وما تكشف عنه الأحداث حول العالم، يوماً بعد يوم، لا يقف عند تحييد مثالية الأخلاق في سياسات الدول الكبرى، وإنما ممارسة تلك السياسات مدفوعة بأخلاق شريرة. وأكثر من ذلك نشهد اليوم أن أصابع تلك السياسات تعبث بالأخلاق لتهدم قيماً وتؤسس لأخرى، تبلغ حد التكريس لقيم مضادة والتحبيب بأخلاق لم يشهد التاريخ خلافاً على أنها الشر بعينه.

وخروج بعض الدول في أوقات بعينها، لتسويق سياساتها بتصويرها على أنها مدفوعة بالتزام أخلاقي أمام شعوبها، ما هي إلا لعبة تزوير تأتي بعد أن تشكل نخب السياسة للرأي العام أخلاقه وترسم له قيمه، وخصوصا أن الرأي العام أصبح كسولاً ومعتمداً حتى في أخلاقه على زمر تحكم بأخلاق مزورة.

مثلاً، وليس حصراً، فالدول التي استطاعت حشد الرأي العام لتجميل تدخلها بالقوة العسكرية والطائرات، مدفوعة بالتزام أخلاقي لفرض إرادة شعوب ضد طغيان حكامها قبل أقل من ثلاث سنوات، وبالتحديد في ليبيا، لا ترى اليوم أي التزام أخلاقي يدفعها إليه الرأي العام لشعوبها، في وضع حد للصراع الدموي في سوريا، التي أصبح القتلى فيها مجرد أرقام للتوثيق بعشرات الآلاف والمشردون بالملايين.

واقع حصار حمص وموت مخيم اليرموك جوعاً، لم يحظ في الغرب بحشد ما حظي به إعدام الزرافة «ماريوس» الأحد الماضي في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، لا إعلامياً ولا بجمع آلاف التواقيع على مناشدات لإنقاذ حياتها، ولا بما تبع قتلها من استياء حقوقي وضجة لدى الناشطين الذين وصفوا إعدامها بالفعل الهمجي.

بل إن المضحك المبكي في الأمر، أن يستغرب مدير حديقة الحيوانات في كوبنهاغن هذه الضجة حول إعدام الزرافة، نظراً إلى أنه يتم إعدام 700 غزال سنويا هناك ولا أحد يتحدث.

له الحق أن يستغرب، ولكن هل لنا الحق أن نستغرب كذلك كيف تكف تلك الشعوب عن التساؤل حول مقتل آلاف البشر حول العالم سنوياً، بسياسات مبررة أخلاقياً، وربما تستدعي التصفيق وتعليق النوط والنياشين للقتلة؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات