في انتظار "جنيف-3"

يولد اليوم الجنين الذي عبثت به أصابع كل الأطباء على مدى أكثر من عام ونصف العام، ليخرج مؤتمر «جنيف-2» بما لا يبشر بعد هذه الولادة العسيرة والعبث الطويل بأكثر من كائن مشوه، لا يختلف كثيراً عن شقيقه الذي سبقه؛ مؤتمر «جنيف-1».

من المؤتمر الذي حمل الرقم 1، والذي صدر بيانه في 30 يونيو 2012 إلى المؤتمر الذي يولد اليوم ويحمل الرقم 2، لم تكن فترة العام والنصف عام، فاصلاً من الزمن، وإنما كانت وقتاً إضافياً للقتل وسفك الدم والتجويع والانتهاكات بشتى صنوفها، وكانت فرصة لإطالة أمد الصراع أمام كل الباحثين عن مبادلة دماء الشعب السوري بصفقات مصالحهم، بعيداً عن الالتفات إلى مطالب الشعب السوري.

المطالب المشروعة للسوريين، مع هذا الجنين الذي يولد اليوم بلا وجه، كانت الملامح الأولى التي انتزعت من وجهه على مدى هذا اللغو السياسي الطويل، فأصبحت هذه المطالب جانبية وفي مهب الاختلاف الذي يحتاج إلى حوار طويل، قد يمتد إلى «جنيف-3» وربما «جنيف-10»، في مقابل قضايا قد تطرح اليوم على طاولة المؤتمر على أنها القضايا المحورية.

الأمد الطويل للصراع في سوريا لم ينجز المزيد من القتل فحسب، بل طمس معالم قضية أساسية، وخلق قضايا جديدة يستطيع سادة الطاولة في المؤتمر اليوم تصديرها في واجهة النقاش، واللعب بها كأوراق جديدة في حلقة التفاوض، إما لتحقيق مكاسب وإما لمنح الصراع، الذي وقوده الوحيد دماء الشعب السوري، فرصة أخرى وأمداً أطول، للبحث عن المزيد من المكاسب والاختراقات في ملفات أخرى مرتبطة على مستوى المنطقة أو العالم، سواء تعلق الأمر بالملف النووي الإيراني، أو السلام والأمن لدولة إسرائيل أو غيرها..

وليس مستبعداً أن نسمع اليوم أن خطر الجماعات الإرهابية في سوريا، هو الملف الأساسي الذي يتسيد النقاش، وربما أيضاً يمكن تحويل القضية برمتها إلى قضية وضع إنساني لشعب محاصر تحت التجويع، وحاجته إلى ممرات آمنة لإدخال الإغاثة، أو إلى مناطق آمنة لإيواء اللاجئين تكون نواة لحلول من خلال التقسيم.

أطراف التفاوض على طاولة اليوم ليسوا هم أطراف النزاع الحقيقيين على الأرض، فالمعسكر الممسك بمصالحه بدعم النظام في سوريا، والمعسكر الممسك بمصالحه بدعم المعارضة السورية، هما من يحمل أوراق اللعب فقط، والآخرون يأتون متفرجين ليمنحوا التمثيلية شرعيتها وليحملوا وزر ما سيتبعها من تكريس لسفك الدم، من دون أن يجني أي منهم ثمرة واحدة من مطالبه، وليس لهم الحق كذلك في الحوار بين «جنيف-2» و«جنيف-3» على تفسير البيان الختامي غير الواضح الذي سيتوج المؤتمر، فالتفسير سيكون فقط من حق "كيري ــ لافروف"، كما حدث في بيان «جنيف-1».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات