ثلج أسود

عشرات الأطفال سكتت قلوبهم من البرد، في وقت لم يتحرق لهم قلب واحد، و«الكسا» التي انسحبت لتترك السماء من فوقهم والأرض من تحتهم لشقيقة أشد وطأة، لم تكن بيضاء، بل وصمة سواد في جبين العالم بأكمله.

مليونا لاجئ سوري أو يزيد، يعيشون ظروفاً أقسى مما هربوا منه في بلدهم، وليس هذا الشتاء الأول الذي يمر بخيامهم ليفضح حق التقصير تجاههم، ومعظم من يتذكرهم يمنّ بزيارة لالتقاط الصور ونشرها عبر إعلام الكون الواحد، ليحول محنتهم إلى منحة لنفسه في الترويج لمهرجان إنسانيته.

قلة هم من يتذكرون إلقاء ما فاض عن حاجتهم من إغاثة وإرسال بضع بطانيات، لتصل متأخرة وتتحول إلى أغطية موتى بدل أن تكون دفئا للقلوب الصغيرة.

هل سيموت الأطفال اللاجئون إذن في الشتاء القادم أيضا؟ حتما لن يتغير شيء، فالأطفال والكبار اللاجئون، يموتون منذ زمن طويل، دون أن ينتبه العالم لحجم العار الذي يلحق به.

اللاجئون السوريون في دول الجوار ليسوا وحدهم، رغم أن هؤلاء زادوا من فضح الأخلاقيات التي تسود أمم العالم، عندما رفع نزوحهم الكبير عدد اللاجئين حول العالم ليصل إلى أكثر من 45 مليون لاجئ في نهاية 2012، تعيش النسبة العظمى منهم في ظروف لا تليق بالبشر.

والدول المضيفة، ليست وحدها من يقع عليها اللوم، فأكثر من نصف اللاجئين في العالم تستضيفهم دول نامية في مخيمات يرثى لحالها، وهي دول بالكاد تستطيع توفير مقومات الحياة البسيطة وفرص التشغيل لمواطنيها، عدا عما تواجهه هذه الدول من تحديات كبيرة بسبب استضافة اللاجئين، كالمشكلات الأمنية والضغط على الخدمات والمشكلات الاجتماعية.

في ظل كل هذا، تتنصل الدول التي تدعي أنها تتزعم العالم وتقود قضاياه، من أي مسؤولية.. والواضح أن أزمة هذه الدول الأخلاقية وزعامتها الفوضوية، هي السبب في سقطات العالم ومصائبه، فهي الدول التي تحرك الأزمات والنزاعات والحروب من أجل مصالحها، وهي التي تصنع اللاجئين ومشكلاتهم، وهي التي تفلت الأمور من قبضتها، أو تتغير رغباتها ومصالحها وسياساتها ومواقفها بين ليلة وضحاها، لتشيح بوجهها عن المصائب التي خلفتها، لتصبح الخيمة زمنا من البرد والقهر والموت، في انتظار وهم العودة إلى البيت! وإذا كنا كعرب أصحاب النسبة الأعظم في أعداد اللاجئين، فلا يكفي أن نلقي باللائمة على غيرنا، وكأننا منقادون يصنع لنا العالم أزماتنا ومشاكلنا لننتظر منه أيضا، مكتوفي الأيدي، حلولا لهذه المشاكل.

الفلسطينيون يعانون منذ أكثر من 65 شتاء في مخيمات اللجوء ولا يزالون، فهل نتوقع أن تغسل عاصفتان على مخيمات اللاجئين السوريين، عقول العرب بالثلج والماء والبرد ليكون لهم برنامجهم الخاص في قيادة أزماتهم؟ إلى أن يكون ذلك، سيظل كل الثلج أسود.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات