البوابة الأمنية

يفهم النظام السوري حقاً طريقة تفكير الدول الغربية وماهية القضايا التي تستهلك جل همها. فمنذ أربعة عقود، نجح حافظ الأسد وهنري كيسنجر في التوصل إلى تفاهماتٍ أمنية على حدود هضبة الجولان ما لبثت أن امتدت إلى لبنان لـ«ضبط» الوجود الفلسطيني.

عندما سألت صحافية أميركية الأسد ذات مرة فيما إذا كان ثمة تمايزٍ بينه وبين صدام حسين، رد ببرود: «أنا لا أعرف بيني وبينه سوى الفروق».

وصدق في جوابه. فهو لم يعمد إلى ممارسة العنتريات الفارغة في مناكفته الغرب أو رسم وجوههم على مداخل قصوره، ولم يتحدث وزراء إعلامه وخارجيته عن مبارزة الرؤساء الأميركيين، بل أسند مهمة خلط الأوراق وإزعاج الحلفاء وإشعال المنطقة إلى وكلاء رعاهم وغذّاهم في لبنان والأراضي الفلسطينية والعراق، لكي يقوموا بالمهمة نيابة عنه.

أدرك النظام السوري مطلع التسعينات أن ميخائيل غورباتشوف يريد بيع الاتحاد السوفييتي، فيمم شطر وجهه غرباً.

وبعد مأساة 11 سبتمبر، صدحت إذاعة بغداد بالأغاني الشامتة، في وقتٍ كانت بثينة شعبان تكتب افتتاحية طويلة في «تشرين» عن مخاطر الإرهاب وضرورة التنسيق الدولي لدرء الظاهرة الخطيرة. وعليه، باتت دمشق وجهة الشحن الأخيرة لكل من يشك بتورطه بالإرهاب.

وهكذا، كرر بشار الأسد في مقابلاته مع وسائل الإعلام الغربية، قبل وبعد الثورة، لازمة أن نظامه قلعة الانفتاح ورأس حربة الحرب على الإرهاب، فيما تعددت التسريبات التي تمتدح دوره الأساسي في إماطة اللثام عن عملياتٍ خططت لاستهداف مصالح غربية في غيرٍ منطقة حول العالم. وبعد أعوام من تبجح صدام بما لا يملك من كيماوي، أحرق الأسد الابن غوطة الشام بترسانته التي رضي التنازل عنها متعاوناً بطريقةٍ فاقت توقعات البيت الأبيض.

يعشق النظام السوري لعب دور الإطفائي الذي يشعل الحريق ويسارع إلى إطفائه. اخترعت أجهزة استخباراته شخصياتٍ كاريكاتورية، من قبيل أبو القعقاع وأبو عدس، وفرّخت حركاتٍ وصدّرت المسلحين إلى دول الجوار كافة، ثم وقعت معها اتفاقات أمنية.

وفي الداخل، قسّم المجتمع السوري طائفياً على الطريقة الصدامية حتى احتار المراقبون من علّم من. واليوم، تعود أجهزة الاستخبارات الغربية إلى دمشق من جديد من البوابة الأمنية وعينها على المسلحين الذين تقاطروا من مختلف عواصم الأرض إلى سوريا لمقاتلة نظامها الذي تمكن من إيهام العالم أن ما يحصل هو صراع بين نظامٍ علماني وحفنة من الأصوليين. وبعد كل ما تقدم، هل ما زال هناك من يتساءل لم توجهت القوات الأميركية في 2003 نحو قصر صدام لا الأسد؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات