سريالية الساسة

الوتيرة التي هدأت في غضبة الشعوب العربية على النخب المتحكمة في دولها، ثم عودتها إلى السودان بعد فترة سكون طالت قليلا مقارنة بثورات تتابعت في دول أخرى من دون فاصل زمني، تظهر أن هذا الغضب لم ينتقل من بلد إلى آخر بفعل العدوى، ولا بآلية تداعي أحجار الدومينو التي يسقط واحدها الآخر، كما خال البعض.

وربما كان لتجارب الشعوب الجارة وما آلت إليه ثوراتها حتى اللحظة، مما قد يبدو أنه ابتعاد عن الأهداف الرئيسة وفشل في تحقيق المطالب المشروعة، أن يسكت ويسكن أدنى شكوى عند من يتطلعون إلى تغيير حقيقي.

وهذا يؤكد أكثر أن فيروسات المرض في كل بلد إنما وفرت لها كل طغمة حاكمة، حاضنة في كبدها هي ذاتها، ولم تحملها رياح هبت في غير بلد. إلا أن الأغرب في الأمر، أن يتجرأ أكثر من نظام وحكومة، وهي تشاهد بعين المدرك للأسباب، ما حدث ويحدث لجاراتها من عبر، على تحد غير منطقي وبعيد عن أي حكمة وحنكة، بالخروج على شعبها بقرارات تمس قوت يومه مباشرة، بل وتنهكه وتزج به إلى فوهة بركان من الإحباط، بعيدا عن ذرة أمل واحدة في أي إصلاح حقيقي.

وسؤال الدهشة هنا، أمام هذا السلوك السريالي الغرائبي لنخب تمتهن السياسة، هل تعول هذه النخب إلى هذا الحد على حكمة الخنوع والخضوع عند شعوبها؟ فاستهانت بها لدرجة اعتقدت معها أنها يمكن أن تهلك جوعا أو قهرا أو قمعا وهي واقفة خرساء بلا همسة أنين! أم أن دافعها الأكثر سريالية أن تمهد للثورات بنفسها؟ وهي في نهجها ذاك إنما تخرج لتقول لشعبها: ها قد حان دورك.. اصنع ثورتك!

وليست سريالية الساسة هذه حكرا على بلد، ليقال إنها حالة فردية، فمن حكومة السودان إلى الحكومة الأردنية، اللتين تتناوبان على رفع أسعار المحروقات والسلع بزيادات جنونية رغم الاحتجاجات الشعبية، لا يبدو أن أيا منهما قادرة على قراءة الرسالة الحقيقية لما تقدم عليه من قرارات.. كما لا يبدو أن أي نظام أو حكومة أخرى تعد العدة لقرارات شبيهة أو تستمر على نهجها في تجاهل المفاسد الحقيقية، قادرة على قراءتها.

قدمت الشعوب العربية كل ما عليها حين رضيت، دهراً، بالطغيان، تغليبا للاستقرار على الفوضى وحذرا من السقوط في تناقض الإصلاح بتخريب الدولة والمجتمع، حتى لم يتبق شيء.

وتكاسل الساسة عن كل ما يجب عليهم، من إدارة ناجعة تحقق التطلعات وتدرأ المفاسد، حتى لم يتبق شيء.

لم يتبق للشعوب ما تخسره وما تخشاه، ولم يتبق للساسة ما يقدمونه، وما يحدث الآن هو الأمر الوحيد غير السريالي في المشهد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات