قدم ميسي الذهبية

لا بد من التفريق بين الرياضة كممارسة، وكونها فرجة تحشد آلاف الكسالى على المدرجات والملايين أمام التلفاز، لتشجيع قلة من الممارسين. وكونها فرجة، فإن لكرة القدم هدفا في التأثير تختلف فيه عما سواها، فهي العرض الذي يحشد أكبر عدد عرف حتى الآن من الجماهير لمشاهدته.

وفي الظروف الطبيعية تجتمع هذه الجماهير دون أي رابطة أيديولوجية وراء خصمين لا يفرقهما أكثر من لون اللباس، ولا يتصارعان على سياسة أو ثقافة أو اقتصاد، وحتى لو كانا يمثلان دولتين فإن الصراع بينهما، رغم أنه في مجازه يخدم ذلك، إلا أنه يخلو من أي محتوى ومعنى.

 ومن الواضح أخيرا أن العالم كله أصبح يحتشد وراء فريقين فقط، مثل ريال مدريد وبرشلونة، لتسقط فروقات العالم أجمع، وقد يحتفل عدوان لدودان أو نقيضان ثقافيا، معاً، بقدم ميسي الذهبية.

ويفرغ العرض سوى من شدته التي تدفع الجماهير إلى عدم الوقوف عند حد المشاركة بالهتاف، وإنما تصل أحيانا إلى مشاركة حقيقية في الصراع عن طريق الشغب.

مجاوزة هذا الحد غير مرغوبة، فالمطلوب ألا يجاوز أعلى حد من التفاعل هذه العتبة، وهي عتبة ليست ممنوعة لأنها تتسم بالعنف، فقمعها يتم بالعنف أيضا، ولكن لأنها تمنح متنفسا لإلغاء تأثيرات العرض كلها.

فما يهدف إليه العرض أن يختزن شحناً عالياً من الحماسة، لتفريغه خارج الملعب بالتدرج حتى يحين موعد العرض التالي، فالعرض قابل للاختلاف حول مفاهيم كثيرة قدمها من دون بخل، وهو قابل للتحليل والنقاش، سواء بين من يفرقهم أو يجمعهم لون الفريق.

والعدالة، مثلا، من المفاهيم التي يعالجها العرض بكثافة. كرة القدم يجتمع لها فريق كامل بلون مختلف، من الحكام والمراقبين، ويتم وضع الخطوط جميعها تحت رقابة كافية لعرض العدالة الكاملة، تماما كما يتم تقديمها في واقع الحياة، ولكنها بعد العرض تكون الأكثر مثارا للجدل والنقاش والنقد المسموح به، في حدود مفتوحة لا يسمح بأقلها تجاه عدالة الواقع في الحياة اليومية، والظلم الإيهامي الذي وقع في العرض وقع على المجموع وليس على شخص بعينه، فهو أسهل للتقبل، وفي نقده الذي لا لجم فيه ولا تكميم، تعويض عن نقد الظلم في الواقع.

والشحن القابل للتفريغ خارج الملعب قد تساهم فيه كل مكونات العرض، حتى تلك التي يدعي العرض انها غير مرغوبة مثل الخشونة، فكرة القدم ليست عرضا قاصرا على الجسد مثل سواها من الرياضات، ولكن يسمح بحد معين من الخشونة الممنوع مقابلتها بالعنف المضاد، ويعاقب تجاوز هذا الحد بالكارت الأحمر، والعقوبة ليست للّاعب بقدر ما هي للجماهير التي سمحت لنفسها أن تستمتع بالتعدي على جسد الآخر، على الحكم أن يرفع الكارت الأحمر عاليا حتى يراه الجميع، وأن لا يخفض يده حتى يسمع تأوهات الجمهور وامتعاضهم ويتأكد من أنه تلقى العقوبة.

إلا أن كرة القدم ليست عرضا تمثيليا مثل المصارعة، فأحداثها آنية متطورة تعيش فيها جماهيرها واقعا كاملا غير متوقع مسبقا، وهذه الواقعية المفاجئة كافية ليتذوق المتفرج مرارة الهزيمة بكامل طعمها مرة وحلاوة النصر مرة أخرى، وأن يعيش حياته الواقعية متقبلا الحالتين بروح رياضية عالية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات