تعظيم النصر

هزيمة الكيان الصهيوني في عدوانه الأخير على غزة أولاً، وفي حصول فلسطين على صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة، أي هزيمة هذا الكيان عسكرياً ودبلوماسياً، ليست انتصاراً هيناً ولا رمزياً فقط للفلسطينيين، بل يتجاوز ذلك بكثير، إذا تم النظر إليه على أنه قلب لمفاهيم أمطرت بها وسائل التلاعب بالعقول العالم في العقود الماضية، حتى كادت تحفر صورة من صخر في الأذهان لا يمكن أن تتغير.

أول هذه المفاهيم المزعومة، قوة العدو الصهيوني التي لا تقهر، سواء القوة العسكرية، وهي فكرة اعتمد على تكرارها حتى بعض الزعماء العرب للتغطية على تقاعسهم، أو القوة السياسية والدبلوماسية التي أقعدت العرب عن بذل أي جهد لاختراق الدبلوماسية العالمية، متقهقرين تحت حجج اللوبيات الصهيونية التي تتحكم في سياسات الدول الكبرى، وعلى رأسها الأوروبية والأميركية.

الاستنفار الأوروبي الدبلوماسي، قبل يومين، والاستنكار العالمي الشديد للمشروع الاستيطاني الصهيوني الجديد الذي يقسم الضفة الغربية، وإعلان السلطة الفلسطينية عزمها مواجهة ابتزاز الكيان الصهيوني بتجميد أموال الضرائب، بالتوجه إلى المؤسسات الدولية التي بات بإمكانها طرق أبوابها بعد الفوز بالعضوية، كانت ثماراً تالية لهذا النصر مجتمعاً.

انطفأ مصباح التزييف الذي يطبع ظلاً عملاقاً للكيان الصهيوني على الجدار، وظهر القزم، وهذا بداية النصر الحقيقي للفلسطيني الذي لم يبد تفاؤلاً يليق بهذا النصر، بسبب الإحباط الذي أصيب به بعد عقود من الخيبات، ولسبب آخر وأهم، هو أن هذا النصر جاء مفتتاً ومجيراً لجهة دون أخرى، وسط حالة الانقسام الفلسطيني.

فحين ينظر البعض إلى أن النصر في غزة هو نصر حماس، والنصر في الأمم المتحدة هو نصر عباس، يظهر مدى ما تركه هذا الانقسام من تكريس لحالة التفتيت في الذهن الفلسطيني، وما سيخلفه من ضعف ومن تحويل لكل انتصار عظيم إلى انتصار هزيل لا يمكن استثماره، لا في إعادة الروح المعنوية إلى مكونات الشعب الفلسطيني، ولا في البناء عليه كقوة تحقق المزيد من المكاسب في مجابهة العدو الصهيوني، ولا في إقناع الدبلوماسية العالمية بالحقوق الكاملة لهذا الشعب.

حجم ما تتركه المصالحة الفلسطينية من أثر، يدركه الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه تماماً، ولهذا السبب كانت الضغوط الأميركية والإسرائيلية الشرسة، التي مورست أكثر من مرة ضد إتمام المصالحة وتعطيلها، بل وتجميدها.

وما يجب أن تسارع إليه الأطراف الفلسطينية جميعاً الآن، هو إتمام المصالحة، والإنهاء الفوري لجميع مظاهر الانقسام، ضاربين عرض الحائط بأي ضغوط من أي طرف كان، ومبتعدين عن مكاسب ضيقة لا تضيف لأي طرف سوى ومضة إعلامية مؤقتة، سريعاً ما تزول، ولا يمكن أن يخدع بها أبناء الشعب الفلسطيني، الذين أصبحت المصالحة هي مطلبهم الأول بكل أطيافهم.

تسريع المصالحة في هذا الوقت بالذات، هو النصر الحقيقي للفلسطينيين، لأنها وحدها القادرة على تعظيم أي نصر آخر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات