بعد انتخابات المغرب

هل كافأَ الناخبون المغاربة الحزب الِإسلامي، العدالة والتنمية، بـ 107 مقاعد من 325 في البرلمان الجديد، أَم عاقبوا الأَحزاب في الحكم، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية؟.

نظنُّ الإِجابةَ غير ممكنةٍ من دون النظر في تواضع نسبةِ الاقتراع (45%)، والتي اعتُبرت معقولةً، بالنظر إِلى 37% في انتخابات 2007، ما يعني أَنَّ التحسُّنَ في ازورارِ المغاربة في المواسم الانتخابية طفيف، وقد أَعادَه مهتمون إِلى تناقصِ الثقةِ العامّةِ بالأَداءِ السياسيِّ للأَحزاب القائمة، وزميلاتها في الموالاةِ والمعارضةِ والبيْن بيْن.

ولافتةٌ محدودية حماسِ المغاربةِ في الذهابِ إِلى صناديق الاقتراع، فيما يفاجئُ المصريون أَنفسَهم في إِقبالهم غير المتوقع في انتخابات هذه الأَيام، وفيما اقترع 80% من التونسيين في انتخابات مجلس دستور ما بعد خلع زين العابدين بن علي. والبادي أَنَّه الضجر من جدلِ السياسةِ وقواها الحزبيّةِ وإِعلامِها من أَسبابِ النسبةِ المغربية المتواضعة.

كما أَنَّ حساسياتٍ سياسية مستجدَّة، وأُخرى قديمة، دعت إِلى مقاطعةِ التصويت، ومنها حركة 20 فبراير الشبابية التي لم يُقنع أَنصارَها الدستور المعدّل، والموافَق عليه في استفتاءِ الصيف الماضي، وأَنقصَ من صلاحياتِ الملك، وزادَها لدى الوزير الأَول والبرلمان. وثمَّة جماعة العدل والإحسان الإِسلامية.

والتي نشطت، دأْبَها في كلِّ موسمٍ انتخابي، في الدعوةِ إِلى عدم الاقتراع، على غيرِ الحزب الإِسلامي الأَبرز، العدالة والتنمية، والذي انتقل من ثمانيةِ مقاعد في انتخابات 1997، وصولاً إِلى العدد الباهر يوم الجمعة الماضي، مروراً بـ 42 مقعداً في انتخابات 2002 و47 في 2007، وهو الحزبُ الذي ساندَ حكومة عبد الرحمن اليوسفي في التسعينات، من خارجِها، وعارضَ، تالياً، حكومة عباس الفاسي المنصرفة.

سيكون «العدالة والتنمية»، إِذاً، الحزب المغربي الأَول الذي تُسندُ إِليه رئاسة الحكومة في بلادِه، لتصدُّرِه الفائزين في الانتخابات التشريعية، بموجبِ تعديلات الدستور التي أَخذت المغرب إِلى خطوةٍ متقدمةٍ في مسار المضي إِلى الملكية الدستورية الكاملة.

وبذلك، فإِنَّ هذا الحزب مطالبٌ بأن يكون في مستوى التحدّي الأَصعب، أَولاً بإِيجاد صيغةِ تعايشٍ مع أَحزابٍ ناوأْته كثيراً، في مراحل سابقة، في الحكومة التي سيرأُسها، وتالياً العمل على تحقيق برنامجِه الانتخابيّ، الذي يُرضي هؤلاءِ الشركاءِ في السلطة وتسيير البلاد، وقبل ذلك وبعده، إِنجاز وعدِه بتخفيض نسبة الفقر إِلى النصف، وزيادة الحد الأَدنى للدخل 50%. والمعلوم أَنَّ الفقر والبطالة تحديان ثقيلان واجها كل حكومات المغرب.

وكان تقريرٌ دوليٌّ قد ذكر، قبل ثلاث سنوات، انَّ على المغرب توفير 400 أَلف فرصة عمل سنوياً في السنوات العشر التالية، لمنع البطالة من زعزعةِ الاستقرار في المملكة. ومعلومٌ، أَيضاً، أَن السلطات كانت قد رصدت 270 مليون يورو لمحاربةِ الفقر.

إِنها، إِذاً، تجربة أُخرى مرتقبة لوجود الإِسلاميين في السلطةِ وصناعة القرار، مع التجربةِ التونسيةِ بوجود حزب حركة النهضة في المجلس التأسيسي المنتخب قبل أَسابيع. ولا يُطمئن أَحداً زعيم «العدالة والتنمية» المغربي، عبد الإله بنكيران، في قولِه إِنَّ الحزب لن يتدخل في خيارات الناس، وسيحاول أَنْ يدير المسؤولية في الحكم إِيجابياً لصالح المغرب، وبحيث تصبح تجربتُه مقياساً مقبولاً للبناءِ عليه في الأُمة العربية والإِسلامية.

وإِذا علمنا أَنَّ الحفاظ على الاستقرار والملكية من أَهمِّ أُسس هذا الحزب الإِسلامي البالغ الاعتدال، وإِذا انتبهنا إِلى أَنَّ البرامج الاجتماعية والاقتصادية أَولوياته، وإِلى تأكيد الحزبِ على الديمقراطية والحكم الرشيد، وكذا حديثه عن اعتمادِ المغرب بشكل كثيف على أَموال السياحة والاستثمار التي ترد من الخارج.

فذلك كله يُسوِّغُ ترقُّبنا تجربةً جذّابة، وناجحةً ربما، سيَّما وأَّنَّ الإِنجازَ وتخفيف الوطأَة الاقتصادية والمعيشيّة من محكّات الحكم على أَيِّ حزبٍ في موقع صناعة القرار، إِسلامياً أَم غير إسلامي. وهذا سؤال المغاربة بعد انتخاباتِهم، كافأَوا فيها «العدالة والتنمية» أَم عاقبوا غيرَه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات