أمراض بغداد المزمنة

ما الذي فاجأنا، قوة داعش أم هشاشة العراق؟ أكثر من علامة استفهام معلقة أمام التنظيم الإرهابي المتطرف. كل إجابة تكتسب قيمتها الجوهرية في ظل انفتاح ثكنات الجيش على أرض الرافدين. الانكسار العسكري يُجسّد إحدى السمات المميزة لهشاشة الدولة المركزية في العراق عبر التاريخ. ثمة تناقض بين قدرات العراقيين على بناء نظام صارم، وبين الضبط والربط في ثكناته العسكرية.

كأنما يعيد التاريخ فصول هذه الميلودراما السياسية في بغداد. ضعف السلطة المركزية أفضى إلى نهاية الدولة العباسية في العام 1258. في مركز السلطة، المستعصم بالله، خليفة يفتقد جرأة المبادرة، مؤيد الدين العلقمي الوزير الأول (رئيس الوزراء) في نزاع مع قائد الجيش.

معاونو الخليفة وخلفاؤه يستأثرون بالثروة. الخليفة لا يصغي إلى جنده. تلك هي مظاهر التفسخ أمام المغول الأشاوس. بعد 21 يوماً من الحصار تفاقمت إبانها معاناة العراقيين، استباح الغزاة بغداد 40 يوماً، نهبوا خلالها القصور والمتاجر وأحرقوا مكتبة بغداد وقذفوا مما تحتوي من كتب في دجلة حتى اسودت مياه النهر. لولا الفتنة الطائفية لاستعصت بغداد، أو صمدت، أمام الغزاة، غير أن أيادٍ شيعية قدمت تسهيلات للقادمين من الشرق.

هو المشهد نفسه أو يكاد يكون في العام 2003، إذ باغتنا الانهيار العسكري فاضحاً هشاشة دولة مركزية على نحو لم يخطر على بال عربي. أكاذيب كلها دعاوى الخندق المعد مقبرة للأميركان؛ كأم المعارك ونشامى الحرس الجمهوري. في رحلة أشبه بالنزهة عبر الأميركيون العلوج النهر بين الرصافة والجسر. سيناريوهات الميلودراما يعاد إنتاجها؛ إطار خادع لسلطة مركزية متآكلة من الداخل. رئيس لا يصغي إلى قادة جنده. فرار العسكر أمام الغزاة الجدد.

متطوعون خاضوا معركة شرسة في المطار لم يكتب لها الصمود. قادمون على ظهور الدبابات أيقظوا الفتنة الطائفية النائمة، وقدموا تسهيلات للغزاة. قصور محتكري السلطة والثروة تعرضت للإغارة والنهب. بغض النظر عن قوة داعش وظهيرها، فالثابت بروز أمراض الدولة المركزية المزمنة، إذ تتجسد في ضعف القيادة السياسية والانكسار العسكري، واحتكار السلطة والثروة، واحتدام الفتنة الطائفية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات