نجم لا يخبو

لم يكن عالم اليوم يحتاج إلى خسارة جديدة، وهو الغارق في الصراعات والأزمات والفوضى المنتشرة، أمنيا وسياسيا واقتصاديا.. لكن يبدو أن الخسائر تجر بعضها أو تحِن إليه!

رحل نيلسون مانديلا، الزعيم الذي أذهل العالم بنضاله العنيد، وإنسانيته المتجذرة، وتواضعه العفوي.. خسر العالم معيارا للقيم النبيلة ورمزا للنضال الشريف، وخسرت الإنسانية عَلما من أعلام الحرية وكرامة الإنسان.

رحل مانديلا، لكن العظماء مخلدون بمآثرهم وإنجازاتهم، وبما يختطونه من مسارات للأجيال من بعدهم.

خسرت جمهورية جنوب إفريقيا أبا وزعيما، وخسرت إفريقيا بأكملها قائدا حكيما وزعيما عظيما، بينما القارة تواجه جماعات القتل والتدمير وعودة بعض المطامع الخارجية إلى سابق عهدها، في حين خسر العالم كله زعيما إنسانيا، ونبراسا للنضال الشريف والتضحية الصادقة في سبيل الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.

لقد انتزع مانديلا احترامه حتى من خصومه وأعدائه، بنبل الأهداف والصدق مع الذات ومع الآخرين، ولما قدمه في سبيل حرية شعبه، ليس من العنصرية والاضطهاد فحسب، وإنما من الروح الانتقامية وتبعاتها المدمرة للشعوب والأوطان ولكل ما حققته من إنجازات.

بعد نحو ثلاثة عقود من السجن والأشغال الشاقة، وعشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء الذين قدمهم شعب جنوب إفريقيا، للتخلص من الطغيان والتفرقة العنصرية، اختار مانديلا طريق الحقيقة والمصالحة بين مكونات شعبه، حفاظا على وحدته الوطنية، وتوجيها لجهوده في البناء والتنمية، بدل الهدم والاحتراب.

رفض مانديلا فترة رئاسية ثانية، رغم الضغوط الشعبية والسياسية، معطيا بذلك القدوة والنموذج في الإيثار وفي تداول السلطة دون إكراه، وإدراكا لأن الزعامة الحقيقية والشعبية الصادقة، لا ترتبط بالسلطة ولا تقف عند حدودها.

ما أحوج العالم اليوم إلى شخصية بقامة مانديلا ورمزيته، علّنا ندرك أن الكرامة الإنسانية حق للجميع، وأن الحرية لا تكتمل إلا بالعدالة، وأن الانتقام روح شريرة تدمر الذات قبل الآخر وترتدّ وبالا على الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات