اقتصاديات تعميم العمل المناخي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

خلال الفترة التي سبقت مؤتمر 2021 في غلاسكو قامت 24 دولة تم تحليلها من قبل أداة تتبع العمل المناخي، بما في ذلك البلدان التي تعتبر مصدراً رئيساً للانبعاثات، بتقديم اقتراح لخفض الانبعاثات، وعلى الرغم من الطبيعة الملحة المتزايدة للعمل المناخي، إلا أن خمس دول فقط من بين الدول التي تم تحليلها من قبل أداة تتبع العمل المناخي، عززت من طموحاتها هذا العام.

إن ما يبعث على القلق أيضاً هو الانقسام الحاصل بين مجموعة من الناشطين المتطرفين والهامشيين فيما يتعلق بالمناخ، إذ يقوم الكثير منهم بأعمال راديكالية بشكل متزايد والغالبية العظمى من المواطنين العاديين، حيث يشعر غالبيتهم بالقلق بشأن تناقص قوتهم الشرائية. تواجه أوروبا على وجه الخصوص نقصاً في الطاقة وارتفاعاً في أسعار الوقود الأحفوري وتضخماً كساداً يلوح في الأفق وكل ذلك قد يجعلها تغفل عن طموحاتها المناخية.

لكن هناك أدلة متزايدة على أن الناس يأخذون موضوع التغير المناخي بشكل أكثر جدية من أي وقت مضى. أن الأنواء المناخية الشديدة هذا العام قد نبّهت الناس بشكل غير مسبوق وحتى في الغرب الغني وذلك من خلال إظهار أن الاحتباس الحراري ليس عملية بطيئة سوف تتحقق في المستقبل البعيد. لقد أصبح التغير المناخي تهديداً محدقاً لا يستطيع صناع السياسات تجاهله عندما يقومون بتقييم النظرة المستقبلية للنمو والتضخم والمالية العامة للدولة. إن من الممكن أن نعيد صياغة القول الشهير لكليمنصو رجل الدولة الفرنسي والذي أشار إلى أن الحرب موضوع خطير جداً لدرجة أنه لا يمكن تركه للعسكر: لقد أصبح المناخ خطيراً للغاية بحيث لا يمكن تركه للناشطين.

بشكل عام تحولت الرأسمالية إلى معركة ضارية بين الصناعات البنية (الوقود الأحفوري) والصناعات الخضراء (النظيفة والمتجددة) ونظراً لأن الاستثمار الضروري كبير فلا يمكن للشركة التي تقوم بتصنيع السيارات التحوط، وذلك من خلال الاستثمار في كل من السيارات الكهربائية والمركبات التقليدية ذات محركات الاحتراق الداخلي. يجب أن تختار الجانب الذي ستقف في صفه ثم ترمي بكل ثقلها من اجل تحقيق هدفها ومهما كانت النتيجة فسوف يحقق البعض نجاحات كبيرة كما سيخسر البعض بشكل كبير أيضا وستكون هناك أضرار جانبية.

تثير مسألة تعميم العمل المناخي العديد من الأسئلة الجديدة والتي لا تزال محل نقاش. إن من المتوقع إلى حد كبير أن تنجم تخفيضات الانبعاثات على مدى السنوات العشر القادمة عن استبدال رأس المال لغايات استبدال الوقود الأحفوري: إن السدود الكهرومائية ومحطات الطاقة النووية ومزارع الرياح والطاقة الشمسية جميعها تتمتع بتكاليف تشغيل منخفضة، لكن تكاليفها الرأسمالية الأولية مرتفعة.

وهكذا فإن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يجلب معه مخاطر جديدة، وعلى الرغم من أن زيادة الاستثمار لتوسيع أسهم رأس المال يؤتي بثماره عادة من خلال زيادة الإنتاجية، وبالتالي زيادة الإنتاج، فقد يحدث العكس في هذه الحالة. إذا تم التخلص من بعض رأس المال (مثل المحطات التي تعمل بالوقود الأحفوري) بشكل سابق لأوانه، فستكون هناك حاجة إلى المزيد من رأس المال لتوفير نفس الكمية من الكهرباء. صحيح أن الانتقال في نهاية المطاف سيحقق فوائد إضافية على شكل واردات أقل للوقود الأحفوري وتكاليف تشغيل أقل. لكن هذه الفوائد ستظهر لاحقاً فقط. أما في المرحلة الأولى، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار للتعويض عن حقيقة أن القدرة الإنتاجية ستتقلص أو تستقر.

تنطبق نفس الآلية على استبدال المركبات التقليدية بالمركبات الكهربائية فمع تفكيك المصانع القديمة ستكون هناك حاجة إلى مزيد من رأس المال لإنتاج المركبات الكهربائية والكهرباء التي تستهلكها والبنية التحتية المتعلقة بشحن تلك المركبات. وبالمثل، فإن تجديد المباني لتحسين الكفاءة يعني أنه سيتم توفير نفس خدمة الإسكان ولكن بتكلفة رأسمالية أعلى (وتكلفة تشغيل أقل بعد ذلك).

ليس هناك أي مشكلة في تقديم خدمة بتكلفة هامشية تقترب من الصفر، فهذا هو جوهر الاقتصاد الرقمي، كما تشير التطورات التكنولوجية الحديثة بشكل متزايد إلى أن عالماً من الكهرباء المتاحة على نطاق واسع والتي تأتي من مصادر طاقة متجددة ليس عالماً بعيد المنال.

ولكن في غضون 5 ــ 10 سنوات ستبدو الأمور مختلفة تماماً. فمن المرجح أن تؤدي عملية بناء أسهم رأس المال الضرورية إلى ارتفاع الطلب مقابل انخفاض العرض أو بقائه على حاله كما سيؤدي احتساب تكاليف إعادة التخصيص إلى تفاقم انعدام التوازن. ستفقد بعض المهارات قيمتها مثل العاملين في صناعة السيارات التقليدية. ستكون المهارات المطلوبة حديثاً مثل مهارات عمال البناء المتخصصين، غير متوفرة (أو متوفرة، ولكن في المكان الخطأ).

إن ما يزيد من تعقيدات النظرة المستقبلية الافتقار إلى المصداقية في صنع السياسات المناخية. لقد تعهدت العديد من الحكومات بالوصول إلى الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن، لكن أفعالها لا تتوافق بعد مع هذا الهدف، ونظراً لعدم تعزيز سياسة العصا والجزرة فإنه يمكن لمنتجي الطاقة على عكس شركات صناعة السيارات التحوط والنتيجة وفقاً لوكالة الطاقة الدولية هي أن الاستثمار الكلي في الطاقة غير كافٍ إلى حد كبير من اجل تلبية الطلب المستقبلي.

إن هذه التطورات مجتمعة تهدد بخلق بيئة تضخمية مصحوبة بركود بحيث تصبح الطاقة البنية نادرة بينما لا تزال الطاقة الخضراء شحيحة. سيكون التعامل مع مثل هذه الاختلالات تحدياً مستمراً للحكومات والبنوك المركزية. لم يعد بإمكان صانعي السياسة التغاضي عن هذه القضايا ولا يمكنهم الاعتماد على القصص الخيالية حول ما يتطلبه انتقال الطاقة. سيتعين عليهم من أجل إقناع المواطنين تحديد وتنفيذ أجندة واقعية لإدارة تكاليف وتعقيدات التحول.

لحسن الحظ هناك الكثير الذي يمكن لصناع السياسات القيام به لاحتواء التداعيات الاقتصادية الضارة الناجمة عن التغييرات القطاعية الشاملة. لا يمكن تجنب الجهود الاستثمارية المؤقتة التي تتطلبها عملية الانتقال، ولكن مع وجود استراتيجية سليمة اقتصادياً وعادلة وذات مصداقية وتستخدم الأموال العامة بشكل معقول يمكن للحكومات خفض التكاليف بشكل كبير.

* زميل أول في مركز (Bruegel) للأبحاث في بروكسل وزميل أول غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي.

** مدير سابق للبحوث والدراسات والإحصاء في وزارة العمل الفرنسية وعضو في قسم التفتيش العام للشؤون المالية التابع لوزارة المالية الفرنسية.

طباعة Email