بوصلة السياسة الخارجية الألمانية

هلموت ك. أنهاير - أستاذ علم الاجتماع في كلية هيرتي للإدارة الحكومية في برلين، وأستاذ الرعاية الاجتماعية في كلية لوسكين للشؤون العامة في جامعة كاليفورنيا.

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد أيام فقط من اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتز أن النهج الذي تتبعه ألمانيا في التعامل مع الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية، سيخضع لـ«تغيير تاريخي». وفي العديد من التعليقات والخطابات منذ ذلك الحين، كرر التأكيد على التزامه بتعميق التكامل الأمني الأوروبي والتنسيق الاقتصادي.

ومن كثير المواقف والتصريحات، تبدّى للجميع أن ألمانيا ستنبذ السياسة الخارجية لها، التي انتقدها كثيرون على أنها سلبية للغاية، ومتصلبة، وغامضة لعقود عديدة من الزمن. وحسب ما يأخذه عليها حلفاؤها، أنها كررت كثيراً عدم استشارتهم ومراعاة مصالحهم في تصرفاتها، وقد تمسكت بهذا الموقف الغامض لأنه كان يعود عليها بفوائد جمة.

من هلموت كول في تسعينيات القرن العشرين إلى شولتز اليوم، كان المستشارون الألمان يعتقدون على نحو ثابت أن السياسة التجارية والحوار كفيلان بتحسين العلاقات مع الخصوم الفعليين والمحتملين، وفي تحدٍ لحلفاء رئيسيين مثل الولايات المتحدة وفرنسا، عززت ألمانيا أشكال الاعتماد على الغير التي يمكن استخدامها في النهاية ضدها.

ويتساءل كثيرون: هل الحكومة الألمانية الحالية جادة في تبني سياسة خارجية مغايرة للسابق؟

ولكن علنيا أن نتفهم جيداً، أن هناك جملة اعتبارات وتبريرات مهمة، تجبر ألمانيا على أن تكون في هذي الدروب، ومن بين أبرز ذلك مراعاتها لمصالحها ولظروف مجتمعها وانطلاقاً من الارتباط الوثيق بين مصالح الشركات الألمانية والسياسة الخارجية الألمانية.

وهناك مسألة مهمة يسميها البعض: ظاهرة «الأزمة الدائمة». فبعد وصولها إلى السلطة قبل عام، لم يكن لدى حكومة شولتز الحالية الوقت الكافي للدخول في وضع التشغيل والبدء في تنفيذ الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الائتلاف، والتي كان المقصود من العديد منها التغلب على الجمود الذي شهدته سنوات ميركل.

بدلاً من ذلك، كانت الحكومة مشغولة في التعامل مع الجائحة، وإفرازات الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأزمة الطاقة، وتدفق مليون لاجئ، والتضخم، والاقتصاد المتباطئ، ومشكلات البنية الأساسية، وتأخر التحول الرقمي، ومطالبات بولندا بالتعويضات عن الحرب العالمية الثانية، وربما أن تكاثف الأزمات بهذا الزخم أدى إلى تزاحم أجندات العمل والمشكلات الواجب الحسم بها لدى حكومة ألمانيا.

أخيراً، تتولى إدارة أمور ألمانيا الآن حكومة ائتلافية معقدة وفيها قوى كثيرة، حيث تشكلت في ظل أجواء أكثر صفواً في أواخر عام 2021. تعمل المناقشات المتثاقلة بين تحالفات فرعية عديدة على تأخير القرارات، وغالباً ما تكون النتائج ليست شافية العلاج للأزمات الملحة.

إن ألمانيا دولة حيوية مهمة في أوروبا، وإضافة إلى تاريخها ومكانتها الاستراتيجية والجيوبولوتيكية، فإن أهمتيها الاقتصادية وغناها بالموارد، بجانب تطورها العلمي والفكري، ركائز مهمة تعزز من أدوارها وتجعل حضورها العالمي وأي موقف تتخذه، مؤثراً جداً، ولهذا فإنها بالفعل دولة ترجح كفة الميزان على الدوام، وهذا ما يدعونا دوماً إلى ضرورة أن نراعي أهميتها ونوفر فرصة التعاون المثالي المثمر معها، الذي يوفر خير ورفاه البشرية جمعاء.

 

طباعة Email