ليز تراس والقدرة على تجنب الركود

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تم مؤخراً تعيين رئيسة وزراء جديدة للمملكة المتحدة، ولكن هل ستعمل ليز تراس على تحسين التوقعات الكئيبة للاقتصاد البريطاني والحياة السياسية؟ الجواب التقليدي هو لا. وكما قال شكسبير: «عندما تأتي الأحزان، لا تأتي الجواسيس بمفردها، بل في كتائب». وهذا ينطبق بكل تأكيد على بريطانيا اليوم.

تُعاني المملكة المتحدة من أعلى معدلات تضخم بين مجموعة الدول السبع، وأشد انخفاض في الأجور الحقيقية، وأكبر عجز في الميزانية والتجارة. ومما زاد الطين بلة، أن كتيبة الأحزان البريطانية تؤثر في سياساتها. كان يُعد أسلاف تراس الثلاثة أسوأ رؤساء وزراء في تاريخ بريطانيا الحديث. هكذا يقول الرأي العام البريطاني: وفقاً لآخر استطلاع للرأي، حطم كل من ديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون، الأرقام القياسية في فترة ما بعد الحرب، عن «أدائهم السيئ كرؤساء وزراء»، حيث تم تصنيف كل زعيم متعاقب من حزب المحافظين، أسوأ من سابقه.

يلجأ العديد من القادة الغربيين إلى سياسات غير تقليدية، مثل التخفيضات الضريبية، وإعانات دعم الطاقة، لتخفيف الأضرار الناجمة عن حرب روسيا وأوكرانيا، والعقوبات المفروضة على الأولى. ومع ذلك، تعمل تراس على تحدي السياسات التقليدية القائمة على نطاق أوسع، كما يفعل كواسي كوارتنغ، صديقها المقرب ووزير الخزانة المرتقب. سيكون كوارتنغ أول وزير مالية بريطاني على الإطلاق، يحمل درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية. كما أن تخصص كوارتنغ في التاريخ الاقتصادي، بدلاً من النماذج الرياضية العقيمة التي تهيمن على النظام، سيمنحه الثقة الفكرية للتحكم بمسؤولي الخزانة وبنك إنجلترا، كلما طلبت تراس ذلك.

ووفقاً للتفكير الاقتصادي التقليدي، ستؤدي تجربة تراس- كوارتنغ، مع الاقتراض والإنفاق إلى كارثة. بعد كل شيء، إذا كان التضخم ناتجاً عن «إنفاق الكثير من الأموال لشراء عدد قليل جداً من السلع»، فمن الحتمي أن يتفاقم، بإضافة التخفيضات الضريبية والإعانات، إلى القدرة الشرائية للمستهلكين والشركات.

ولكن، هل ستنجح استجابة تراس غير التقليدية للركود التضخمي؟

يُعد التضخم المصحوب بالركود، أكبر لغز في علم الاقتصاد. لا أحد يفهم حقاً، لماذا يمكن للاقتصاد الذي يعاني من انخفاض في الأجور الحقيقية، وضعف الطلب، أن يشهد عملية تضخمية مستمرة، في مقابل قفزة غير مُتكررة في الأسعار، بسبب اضطرابات العرض أو الحرب أو الحظر التجاري.

والواقع أن المبدأ النقدي القديم، الذي يزعم أن التضخم ناتج ببساطة عن البنوك المركزية، التي تطبع الكثير من الأموال، قد تم إثبات عدم صحته بصورة مقنعة، بفعل التجربة، أولاً في اليابان، اعتباراً من عام 1990، ثم في العالم ككل، منذ عام 2009. فضلاً عن ذلك، فإن النظريات التي تنسب التضخم إلى الإنفاق الحكومي أو الاقتراض، مبنية على أساس تجريبي ضعيف. في الواقع، يمكن أن يكون للتضخم العديد من الأسباب المختلفة، والتي تتفاوت إلى حد كبير، وتعتمد على الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، في مختلف البلدان، في أوقات مختلفة.

لذلك، من الممكن، وإن كان من غير المحتمل، السيطرة على التضخم، من خلال مجموعة غير تقليدية من السياسات التي وعدت تراس بتنفيذها: التحكم في أسعار الطاقة ودعمها، وخفض الأجور الحقيقية، عن طريق وقف الإضرابات، وتشديد التشريعات المناهضة للنقابات، ودفع بنك إنجلترا لتشديد السياسة النقدية، ثم استخدام التخفيضات الضريبية والإنفاق العام، لدعم الشركات والفئات الاجتماعية ذات الأهمية السياسية. من الممكن أيضاً، وربما الأكثر احتمالية، أن يعمل اقتصاد متقدم، مثل بريطانيا، بمستويات تضخم أعلى بكثير من الهدف التقليدي، البالغ 2 ٪. ومن المحتمل جداً ألا يكون لإدارة عجز عام، أي آثار كبيرة على التضخم أو أسعار الفائدة، عندما يؤدي خفض الأجور الحقيقية إلى إبقاء الاستهلاك ضعيفاً.

إذا ثبتت صحة هذه التصريحات، فإن سياسات تراس غير التقليدية، يمكن أن تتجنب الركود العميق الذي يعتبره الجميع في المملكة المتحدة الآن أمراً حتمياً - ودون التسبب في كارثة تضخمية.

بصفتي خبيراً اقتصادياً محترفاً، فقد تدربت على مقاومة فكرة مفادها أن التوسع الهائل في الاقتراض العام، يمكن أن يكون الطريقة الصحيحة للتعامل مع تضخم مزدوج. ولكن بصفتي محلل سوق، أشارك كوارتنغ تفضيله للتاريخ، على النظرية والسلوك البشري على النماذج الرياضية.

في الثمانينيات، رعت المؤسسة الاقتصادية الكينزية تاتشر، وسخرت منها لتجربة سياسة غير تقليدية جذرياً. واليوم، تعتمد المؤسسة التقليدية نظرية تاتشر، في حين يُعد مؤيدو النظرية الكينزية غير تقليديين بشكل جذري. إذا نجح التوسع المالي البريطاني بشكل أو بآخر على النحو المنشود، فستُصبح تراس أول رئيسة وزراء محافظة ناجحة منذ عهد تاتشر. كما ستكون بريطانيا مرة أخرى، نموذجاً دولياً للسياسة الاقتصادية، هذه المرة، من خلال إعادة تأهيل النظرية الكينزية، القائلة إنه يجب على الحكومات الاقتراض بجرأة في فترات الركود، أو فترات النمو الاقتصادي غير الكافي.

يُبالغ هذا التحليل الأساسي الكينزي أحياناً في الإصدارات المتطرفة من النظرية النقدية الحديثة، والتي تُوصف أحياناً على أنها «شجرة أموال سحرية».

كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك لدراكونوميكس كافيكال ومؤلف كتاب «الرأسمالية 4.0: ولادة اقتصاد جديد في أعقاب الأزمة (الشؤون العامة، 2011)».

طباعة Email