تجنب كارثة الديون في العالم النامي

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في العالم النامي، تترنح العديد من البلدان بتاثير أزمة الديون، في حين تهدد جائحة مرض فيروس كورونا، وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة إلى عنان السماء، وإحكام السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى، بالدفع بهذه البلدان إلى قاع الهاوية. لكن المجتمع الدولي لم يفعل بعد ما يلزم لسحب البلدان المعرضة للخطر بعيداً عن حافة الهاوية.

في بعض الاقتصادات، وصلت الأزمة ذروتها بالفعل. وقريباً قد تنضم إليها اقتصادات أخرى عدة. اعتباراً من نهاية مارس، كانت 38 من أصل 69 دولة منخفضة الدخل إما تعاني من ضائقة الديون بالفعل أو معرضة بشدة لخطرها. وفي البلدان النامية المتوسطة الدخل، بلغت أعباء خدمة الديون أعلى مستوياتها في ثلاثين عاماً.

اتخذ المجتمع الدولي بعض التدابير في الاستجابة لهذه المشكلة. بعد فترة وجيزة من اندلاع الجائحة، قدمت مجموعة العشرين مبادرة تعليق خدمة الديون، والتي بموجبها جرى تعليق سداد 12.9 مليار دولار من المدفوعات المستحقة على 73 دولة منخفضة الدخل بين مايو 2020 وديسمبر 2021.

علاوة على ذلك، في نوفمبر، أنشأت مجموعة العشرين بالمشاركة مع نادي باريس للدائنين السياديين الإطار المشترك لمعالجات الديون إلى جانب مبادرة تعليق خدمة الديون لمساعدة البلدان المؤهلة للاستفادة من المبادرة في إعادة هيكلة ديونها وإدارة مشكلات الإعسار والسيولة المطولة.

لكن مثل هذه المبادرات لا تكفي على الإطلاق لحل مشكلات ديون الاقتصادات النامية. تتلخص إحدى هذه المشكلات في وصمة العار: عندما يلجأ المدين إلى الإطار المشترك، فقد يواجه خفض تصنيفه الائتماني السيادي. وأغلب البلدان ليست على استعداد لتحمل هذا الخطر، وخصوصاً بالنظر إلى نطاق المبادرة المحدود.

في أغسطس 2021، وافق صندوق النقد الدولي على تخصيص عام بقيمة 650 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة (الأصول الاحتياطية التي يصدرها صندوق النقد الدولي)، والذي جرى توزيعه على البلدان الأعضاء بما يتناسب مع حصصها. وإذا استُـخـدِمَت بحكمة، فمن الممكن أن تقطع هذه الأموال شوطاً طويلاً نحو دعم البلدان المثقلة بالديون.

الاقتراح الواضح هنا هو أن تبادر البلدان التي تمتلك حقوق سحب خاصة معطلة إلى التبرع بها ببساطة للبلدان المتعثرة. ولكن بخلاف التهديد المتمثل في الخطر الأخلاقي، من غير المرجح أن ينتج هذا النهج القدر الكافي من الأموال لإحداث فارق ملموس. بلغ مجموع التزامات القروض لصندوق الحد من الفقر وتعزيز النمو التابع لصندوق النقد الدولي 7.8 مليارات دولار في عام 2021. هذا أفضل من لا شيء، لكنه يظل بعيداً عن كونه كافياً.

لإحداث فارق حقيقي، يجب أن تُـسـتَـخـدَم حقوق السحب الخاصة بطريقة أكثر إبداعاً..لكن إذا استُـخـدِمَـت حقوق السحب الخاصة لتعزيز تصنيفاتها الائتمانية، فمن الممكن الاستفادة من الاستثمار الخاص لمعالجة الديون المرتفعة.

تتمثل الخطوة الأولى في أن يقترض صندوق النقد الدولي حقوق السحب الخاصة من دون فوائد من البلدان الأعضاء، ويضعها في صندوق ائتماني ــ سواء أكان صندوق الحد من الفقر وتعزيز النمو، أم صندوق المرونة والاستدامة، أم كياناً جديداً. بعد ذلك، تتقدم البلدان المدينة والدائنة بطلب مشترك للحصول على قروض حقوق السحب الخاصة من الصندوق الائتماني، أو قد تتقدم دولة مدينة بمفردها قبل التفاوض على الشروط مع دائنيها.

في كلتا الحالتين، ستكون عملية التقدم بالطلبات مفتوحة، وشفافة، وقائمة على السوق. ومن الممكن أن يعمل صندوق النقد الدولي مع البلدان الدائنة والمدينة لإنشاء آلية إبلاغ تغطي كل مطالبات الديون والبيانات المتصلة بها. وسوف يتعاون المشاركون لضمان اتباع عملية إعادة هيكلة الديون أفضل الممارسات وتلبية معايير الشفافية.

بمجرد الموافقة على الطلب، يعمل الصندوق الائتماني التابع لصندوق النقد الدولي على تمديد قرض حقوق السحب الخاصة الميسر لصالح البلد المدين، بسعر فائدة منخفض للغاية ــ حتى الـصِـفر أحياناً.

ولأن حقوق السحب الخاصة ليست عُـملة ولا مطالبة على الصندوق، فسوف يصبح بوسع المقترضين آنئذ تحويل الأموال إلى واحدة من العملات الخمس المكونة لذلك الأصل ــ الدولار الأمريكي، أو اليورو، أو الرنمينبي الصيني، أو الين الياباني، أو الجنيه الاسترليني ــ والتي ستستخدم لشراء سندات حكومية عالية التصنيف والتي تصدرها بلدان العملات الاحتياطية. مع هذه الأصول الخالية من المخاطر كضمان، تستطيع البلدان المدينة بعد ذلك إصدار «سندات التعاون الدولية لمكافحة الأوبئة»، باستخدام العائدات لترحيل الدين أو سداده.

من شأن برنامج تعزيز الائتمان من هذا القبيل أن يعمل على تخفيف ضغوط السيولة والحد من المخاطر في حين يتجنب الخطر الأخلاقي في الوقت ذاته. الأمر الأكثر أهمية هو أنه سيحفز القطاع الخاص على المشاركة بنشاط في عملية إعادة هيكلة الديون وتعزيز الموارد التي يجري توجيهها نحو تمويل التنمية.

على الرغم من الرسوم والعمولات، تشير تقديراتنا إلى أن هذا البرنامج قد يوفر على بلد مدين نموذجي 30% إلى 50% من تكاليف الفائدة، مقارنة بإصدار السندات من دون ضمانات. من الممكن أيضاً تكييف برنامجنا المقترح لتعزيز ضرورات أخرى، مثل إنشاء أدوات تمويل مبتكرة لدعم التنمية المستدامة والاستثمار في البنية الأساسية الخضراء.

وبالإضافة إلى صندوق النقد الدولي، من الممكن أن يشارك البنك الدولي، وبنوك التنمية الإقليمية، مثل بنك التنمية الأفريقي، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، في مثل هذه المبادرات. ليس من المنتظر أن تنحسر الضغوط المفروضة على العالم النامي في أي وقت قريب. لكن برنامج تعزيز الائتمان المدعوم بحقوق السحب الخاصة من الممكن أن يجنبها الانزلاق إلى أزمة ديون أخرى.

 

طباعة Email