وصفة اقتصادية ومالية أكثر نجاعة للصحة العامة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

دائماً ما يكون السكان الذين يتمتعون بالصحة سبباً ونتيجة للنمو الاقتصادي والتنمية. لكن تحقيق كلا الأمرين اليوم يتطلب خروج صناع السياسات من دائرة الأمان التي يتقوقعون داخلها. على وجه التحديد، يدعو جيل جديد من الأزمات العالمية ــ بما في ذلك الجوائح الـمَـرَضية، وتغير المناخ، وتزايد الجوع ــ إلى إعادة النظر بشكل أساسي في الدور الذي يضطلع به وزراء المالية.

ينبغي لنا أن نعرف هذا جيداً، بصفتنا وزراء مالية سابقين. نحن نعتقد أن سياسات الاقتصاد الكلي تتطلب الآن قدراً أعظم كثيراً من المشاركة مع الوزارات المختصة. على وجه الخصوص، يجب أن يكون وزراء المالية أكثر قدرة على تقييم الآثار الاقتصادية المحتملة التي قد تترتب على مخاطر الصحة العامة، وفرض الضرائب التي تساعد في تحسين النتائج الصحية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالميزانية والقرارات التنظيمية التي تتجاوز اعتبارات الموارد المالية العامة القصيرة الأجل. والتقاعس عن القيام بذلك يعني عدم الاستعداد للتصدي للأزمة الصحية والاقتصادية المقبلة.

أظهرت العواقب الاقتصادية المدمرة التي خلفتها جائحة مرض فيروس كورونا 2019 «كوفيد 19» لماذا يتعين على وزراء المالية أن يعجلوا باستجاباتهم للمخاطر الصحية العالمية. من المتوقع أن تتسبب الجائحة في وفاة أكثر من 15 مليون شخص وأن تكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 12 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي الضائع بحلول عام 2024. أسفرت عمليات الإغلاق، التي لم يكن من الممكن تصورها قبل بضع سنوات فقط، عن تأثر أ كثر من 1.5 مليار طالب بسبب إغلاق المدارس والجامعات، وهذا ينطوي ضمناً على عواقب وخيمة بعيدة الأمد يتحملها جيل من الأطفال والبالغين الشباب، وخاصة أولئك الذين يعجزون عن الوصول إلى التعليم المنزلي المؤثر.

الأمر ببساطة أن الأثر الاقتصادي المترتب على الأزمات الصحية الجهازية اليوم قد يكون من الضخامة بحيث لا يصبح بوسع وزراء المالية اعتبار السياسة الصحية الوطنية والعالمية، وخاصة تقييم المخاطر والتأهب للتعامل مع الصدمات المختلفة، مجالاً مقصوراً على المحترفين المهنيين في قطاع الصحة. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون وزراء المالية حريصين على المشاركة بشكل أكبر مع قادة الصحة لتعزيز قدرة بلدانهم على الصمود في وجه أي أزمة تنشأ في المستقبل.

في العديد من البلدان، لم يحدد وزراء المالية حتى الآن سوى الميزانيات الإجمالية للوزارات المعنية بالصحة، وبهذا تُـتـرَك عمليات التنفيذ للإدارات المختصة. على نحو مماثل، كانت المطالب اليومية التي يتعين على وزراء الصحة تلبيتها تدفعهم غالباً إلى التركيز على إدارة مستشفيات القطاع العام ومرافق الرعاية الصحية بشكل أكبر من تركيزها على صحة السكان، ومنع الأزمات، والاستعداد لتنظيم الاستجابات الفَـعّـالة. وأدت هذه التصورات الضيقة لأدوارهم إلى نتائج صحية واقتصادية دون المستوى الأمثل.

لهذا، يجب أن يشارك وزراء المالية بشكل أكثر مباشرة في صنع القرار في المجالات الرئيسية المؤثرة على الصحة العامة والأداء الاقتصادي. ويشكل النهج القادر على توظيف قطاعات متعددة ضرورة أساسية لتحديد السياسات وأبواب الميزانية التي تنطوي على عواقب صحية في مجالات مثل المياه والصرف الصحي، والتغذية والرياضة، والطاقة النظيفة، وتعليم الفتيات، وبرامج الوجبات المدرسية.

في العقد الماضي، على سبيل المثال، وفرت جنوب أفريقيا فوطاً صحية مجانية ومعفاة من الضرائب لتلميذات المدارس والنساء، وقدمت تشيلي نظام بطاقات الطعام وغيرت برامج التغذية المدرسية، وأزالت المكسيك السكر في الحليب في مراكز الرعاية النهارية. كما تُـظـهِـر هذه الأمثلة، فإن العلاقة بين التمويل والصحة هي التي تحدد الإيقاع، لكن المساهمات من جانب قطاعات أخرى مطلوبة لإكمال السيمفونية.

علاوة على ذلك، يجب أن تكون القيمة مقابل المال في صميم التمويل العام للرعاية الصحية. ويجب أن تسير الكفاءة المتزايدة كتفاً بكتف مع قدر أكبر من العدالة والإنصاف. يجب أن تتجاوز المناقشة الميزانيات القصيرة الأجل إلى الإشراف المشترك على الفعالية الإجمالية للأنظمة الصحية من خلال تحسين عمليات تدبير اللوازم، والإدارة المالية المحسنة، وآليات المساءلة للمساعد في ضمان قدرة صناديق الرعاية الصحية على تحقيق نتائج محددة بشكل مستدام وعادل.

على سبيل المثال، تبنت كولومبيا ضوابط الأسعار في قطاعها الصحي بناء على بيانات من الأسواق العالمية. وعملت المكسيك على تعزيز مشتريات القطاع العام من الأدوية والأدوية المصرح بها تلقائياً الحاصلة على موافقة الهيئات التنظيمية الأمريكية والأوروبية واليابانية. كما أدخلت الأرجنتين نظام المزاد العلني في المنظمة الوطنية لتوفير الرعاية للمسنين مع الحرص على فعالية التكلفة. وتسعى جنوب أفريقيا والهند بشكل مشترك إلى الحصول على تنازل من جانب اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة في حقوق الملكية الفكرية في ما يتصل بالوقاية من «كوفيد 19» واحتوائه وعلاجه لتصحيح إخفاقات السوق، وخاصة تكلفة السلع العامة الأساسية الباهظة مثل التطعيم الواسع النطاق.

بعيداً عن المخاوف المالية، تشكل صياغة السياسات والضوابط التنظيمية العامة السليمة أهمية بالغة لتعزيز الصحة العامة الأفضل. وهنا يستطيع وزراء المالية فرض الضرائب على المنتجات غير الصحية؛ وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الصحة؛ وتعزيز ضوابط المنافسة لخفض أسعار المستحضرات الصيدلانية والمعدات الطبية؛ وضمان قواعد صارمة لتنظيم عمل شركات التأمين الصحي العامة والخاصة؛ واحتواء النفقات المباشرة التي تتحملها الأسر من دخلها.

لتحقيق هذه الغاية، فرضت جنوب أفريقيا، ونيجيريا، والمكسيك، والجابون ضرائب على المشروبات المحلاة بالسكر؛ ورفعت الأرجنتين وكولومبيا الضرائب المفروضة على التبغ؛ وفرضت الجابون ضريبة مبيعات على السجائر. وفرضت نيجيريا ضريبة على الهواتف لتمويل بنود الرعاية الصحية، وتعتزم جنوب أفريقيا فرض رسوم على السجائر الإلكترونية لتثبيط استخدامها، وخاصة بين الشباب.

أخيراً، أثبتت جائحة «كوفيد 19» أن مشكلات الصحة العالمية لا يمكن حلها على المستوى الوطني وحدة. يجب أن تتضمن إعادة تصور الحوار حول الصحة والاقتصاد إعادة النظر في إدارة وأداء المؤسسات المالية والصحية الدولية، وتعزيز التعاون من جانبها. علاوة على ذلك، ينبغي لهذه المنظمات أن تدرج الوقاية من الأزمات الصحية والقدرة على الاستجابة في تقييمها لمخاطر الاقتصاد الكلي.

تتطلب الأزمات العالمية الحالية أن يعيد صناع السياسات الصحية والاقتصادية اختراع وتعزيز تعاونهم على المستويين الوطني والدولي. من خلال الاضطلاع بدور مركزي في هذه العملية، يستطيع وزراء المالية المساهمة في جعل العالم أكثر قدرة على تحمل التهديدات الاقتصادية المرتبطة بالصحة في المستقبل.

* وزيرة مالية نيجيريا السابقة

** وزير مالية المكسيك الأسبق

*** وزير مالية جنوب أفريقيا الأسبق

 

طباعة Email