تضامن ومحبة يجعلان العالَـم «أقل قسوة»

أندريس فيلاسكو - مرشح الرئاسة ووزير المالية في شيلي سابقاً، ويشغل حالياً منصب عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد وال

ت + ت - الحجم الطبيعي

إن الحياة في الديمقراطيات الليبرالية ــ التي تنتشر الآن في أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية، فضلاً عن مساحات شاسعة من أفريقيا وآسيا، وليس فقط في الغرب القديم ــ أقل تعقيداً ووحشية وقِـصَـراً من أي وقت مضى.

كانت الليبرالية دوماً «مغامرة أخلاقية»، حسب عبارة آدم جوبنيك الـمُـحبَّـبة، لأنها تسعى إلى ــ وتنجح في مسعاها غالباً ــ جعل العالَـم «أقل قسوة» من خلال «توسيع الحق في الوصول إلى نطاق أوسع من الملذات والإمكانات ليشمل أناساً آخرين».

كثيرة هي المحن والاختبارات التي يمر بها عالمنا وتؤكد أن السعي لنشر الخير والسلام بموازاة التضامن مع المقهورين والمظلومين، ركائز أساسية لتعزيز قيم الإنسانية والديمقراطية في كافة أرجاء عالمنا.

في السنوات الأخيرة، كان العديد من المواطنين الشباب في الديمقراطيات الغنية يعيشون حالة من الحزن والانقباض إزاء فضائل الديمقراطية والليبرالية. بدلاً من الكفاح من أجل البقاء، كانوا يتناوشون حول الضمائر في اللغة.

وبدلاً من الخوف من أن يسحبهم من فراشهم في منتصف الليل رجال مسلحون بسبب شيء قالوه في حافلة، كان أكثر ما يخشونه هو أن يتسبب خطأ في النطق في الفصل الدراسي في إكسابهم الخزي والعار في وسائط التواصل الاجتماعي.

لم يكن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الحاكم الشعبوي السلطوي الوحيد الذي وقع في الحرج بسبب تصرفاته.

بدأ حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي وصفه ماكرون في عام 2019 على أنه «ميت دماغياً»، يبدو على نحو مفاجئ وقد دب فيه النشاط والحيوية وبات من المرجح أن يكتسب أعضاء جدداً.

وحتى الاتحاد الأوروبي، الذي نادراً ما ينجح في اتباع سياسة خارجية موحدة، يتحدث الآن بصوت واحد واضح، تحت القيادة المقتدرة من جانب تحالف «إشارة المرور» الجديد في ألمانيا. كما بدأ الرئيس الأمريكي جو بايدن يتصرف كزعيم عالمي تؤهله حياته المهنية الطويلة التي أكسبته الخبرة في مجال السياسة الخارجية لهذا النوع من الزعامة.

إن معضلة: السكان المحليين ضد المهاجرين التي تقلق الغرب حالياً، أو الأغلبية الثقافية ضد الأقليات الـعِـرقية أو الدينية، أو الناس العاديون ضد الـنُـخَـب ــ لم يكن أي شكل من أشكال الانقسام يبدو من منظورهم قبيحاً منفراً ما دام من الممكن استغلاله لتحقيق مكاسب سياسية.

اليوم، يوشك الحكام المستبدون على مواجهة نوع مختلف من سياسات الهوية. الواقع أن أصحاب القلوب المتحجرة فقط هم من قد لا تتحرك مشاعرهم إزاء مشهد الحرب والدمار. تعمل هذه المشاعر والروح المعنوية الفائقة حتى الآن على تمكين الإنسانية وتعزيز روح الوئام واللقاء والتكاتف والحوار.

تتجلى الهوية المشتركة أيضاً بين مواطني ديمقراطيات أخرى. إن الهوية الجامعة الأرحب في عالمنا يفترض أن تكون التزام الحوار والتكاتف ونبذ الحروب، وبها فقط سنستطيع هزم كل تصرفات وحشية وحفظ كرامات الناس ونشر العدل والوئام.

إن المعيار الأهم الواجب اتباعه هو التزام الجميع بالعمل على نبذ التشنجات واجتثاث كل أشكال الاستبداد والتضامن مع المكلومين. وعلينا ان نعي جيداً أنه ستواجه سياسات الهوية الانقسامية القائمة على الدم والتربة تحدياً واضحاً من قِـبَـل جديلة متضافرة نبيلة ــ وعالمية بشكل متزايد ــ من سياسات الهوية القائمة على القيم الليبرالية المتمثلة في الحرية، والكرامة، واحترام حقوق الإنسان.

لا مفر لجميع الشعوب من العمل بهذا الدستور الإنساني، فبه نجعل حياة الناس قائمة على الخير والرغد والجمال ومعه تغدو أفكارنا متركزة على السلام والمحبة والخير وصنع سعادة الناس في كافة بقع المعمورة.

 

طباعة Email