أوروبا ..أزمة «القوة الناعمة»

مارك ليونارد

ت + ت - الحجم الطبيعي

تُظهر الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أن الاتحاد الأوروبي لديه مشكلة تتعلق بتوجهات دوله المتنوعة وبنى مجتمعاته، فأوروبا موطن لمشروعين من أجل بناء الهوية علماً أن بقية دول العالم تشعر بالنفور الشديد منهما. لقد تم تمثيل كل منهما في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، إذ تمكن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون من ضمان فترة رئاسية ثانية بعد هزيمة القومية اليمينية المتطرفة مارين لوبان.

لقد عمل ماكرون على تصوير الحملة أنها اختيار لنوع الحضارة الذي تريده فرنسا وأوروبا، إذ صوّر ماكرون بلاده أنها التجسيد النهائي للفضيلة المدنية المستنيرة، فبالنسبة له (وللأوروبيين مثلي) فإن المشروع الأوروبي محاولة مفصّلة لتجاوز تاريخ القارة الدموي من القومية والإمبريالية والإبادة الجماعية. إن من المفترض أن يشكّل الاتحاد الأوروبي هوية أوروبية جديدة مبنية على أساس المبادئ المدنية مثل القانون الدولي (ضد القوة تصنع الحق) والديمقراطية الليبرالية (ضد الأغلبية الشعبوية) والخصوصية (ضد رأسمالية المراقبة)، وحقوق الإنسان (ضد دولة المراقبة).

إن هذا المشروع يوحي بنوع جديد من الوطنية وبقدر ما نجح هذا المشروع بقدر ما أثار ثورة مضادة من أولئك الذين يعتقدون أن العولمة والتكامل الأوروبي يهددان ثروتهم وثقافتهم ومكانتهم. إن لوبان تقدم نفسها أنها منبر لهذه النسخة الجديدة - القديمة من الهوية الأوروبية. بوصف لوبان لماكرون أنه يمثل الدمار الذي تجلبه العولمة والذي سوف يقود فرنسا وأوروبا لانتحار ثقافي، فإنها تدّعي أنها تمثل المزارعين والعمال المنسيين والذين تم تهميش مصالحهم لفائدة النخب الاقتصادية واللاجئين.

لقد أدت الديناميكية الهيكلية للنظام الانتخابي الفرنسي إلى تصاعد العلاقة الجدلية بين هاتين النسختين من الهوية الأوروبية مع استبدال التنافس التقليدي بين يسار الوسط ويمين الوسط بالمواجهة بين القومية العرقية المسيحية والوطنية الدولية المدنية، ولكن فرنسا ليست الدولة الوحيدة في هذا السياق إذ يجد المرء انقسامات مماثلة في جميع أنحاء أوروبا. لقد حشدت الحركات من أجل استعادة السيطرة ضد الانفتاح والعالمية اللتين على أساسهما تقوم الهوية الأوروبية الجديدة.

لقد أدت الحرب الثقافية الداخلية في أوروبا إلى تقويض قوتها الناعمة. يصور الاتحاد الأوروبي نفسه أنه مثال يحتذى به في دعم الديمقراطية ومع ذلك فإن العديد من أكبر الديمقراطيات في العالم – البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا - كانت مترددة في الوقوف معه في ما يتعلق بأوكرانيا. لقد أسهمت جميع تلك الهويات المتصارعة في أوروبا في هذه الخسارة للدعم العالمي.

إن الأكثر إثارة لمشاعر عدم الرضا الطريقة التي يميل بها الأوروبيون إلى تعميم تجربتهم على مستوى العالم مفترضين في كثير من الأحيان أن ما هو مناسب لهم مناسب لغيرهم. (على سبيل المثال فإن نموذج توسيع الاتحاد الأوروبي يتطلب من البلدان الأخرى تبني كتاب قواعد يتضمن 80 ألف صفحة). لقد اختارت معظم المجتمعات الأوروبية لأسباب تاريخية مختلفة التوازن بين ديمقراطية الأغلبية وحقوق الأقليات والملكية الخاصة، ونحن نأخذ مجموعة المبادئ هذه أمراً مسلماً به، ولكن وكما أظهر الربيع العربي قد يختار الناس في أماكن أخرى حق التصويت من دون المطالبة بالحزمة الكاملة. إن أولئك الذين تمردوا على الأنظمة الاستبدادية سعوا إلى تحرير أنفسهم وليس تقليد الغرب.

ستحتاج القوى التي تريد الازدهار إلى تبني تصور للقوة الناعمة يكون صديقاً للسيادة وإذا فشلنا في ذلك، فسوف نكون نحن الأوروبيين دائماً متهمين باستخدام مبادئنا ومعاييرنا للدفاع عن امتياز البيض وسوف نبقى على خلاف مع المشروع الجديد لإنهاء الاستعمار وبالتالي في حالة عدم توافق مع غالبية المجتمع الدولي.

 

* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مؤلف كتاب عصر اللاسلم: كيف يتسبب التواصل بالصراع؟

طباعة Email